لقد ازدهرت النزعة التجريبية في تفكير الإنجليز منذ بيكون في مطلع القرن السابع عشر، وبلغت الذروة عند ديفيد هيوم في القرن الثامن عشر، ثم نهضت التجريبية أيضًا في القرن التاسع عشر على يد بنثام وجون ستيورات مل وغيرهما، إذ تجلت النزعة التجريبية"أوضح ما تكون في المجال الأخلاقي الذي كان يعبر عنه مذهب المنفعة العامة" [1] .
إن معالم المذهب النفعي تتلخص في التقاء مفكريه على القول بأن اللذة أو المنفعة هي الخير المرغوب فيه، والألم هو الشر الذي يجب تفاديه، ومن ثم فإن المنفعة عندهم هي مقياس الخيرية. ولكن هناك من أصحاب هذا الاتجاه من ابتغى السعي وراء اللذة أو المنفعة الفردية أمثال الأبيقوريين قديمًا وهوبر حديثًا فهم أصحاب مذهب اللذة الفردي أو الأناني [2] ، ومنهم من التمس المنفعة العامة - وهم المحدثون - حيث طالبوا بتحقيق"أكبر قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس" [3] .
النفعية عند بنثام (1748 - 1832 م) :
اعتنق بنثام المذهب النفعي، وأنشأ مجلة الدعوة إلى الإصلاح الدستوري، وكان لدعوته أثرها الكبير في السياسة الإنجليزية.
أما مذهبه في المنفعة فإنه يرى أن الناس بطبائعهم يسعون وراء اللذة ويجتنبون الألم كالحيوانات تمامًا، مع امتيازهم عن الحيوان باتباعهم لمبدأ النفعية لاستخدامهم للعقل، لأن العقل هو الذي يحكم على الفعل الخير؛ إذ يعود بلذة مستمرة تفوق فيه اللذة على الألم، وبالعكس فإن الفعل الشرير يؤدي إلى زيادة الألم على اللذة، مع استمراره، وهو يقيس اللذات من حيث صفاتها الذاتية كالشدة والمدة والثبات وقرب المنال أو القدرة على إنتاج لذات أخرى وخلوها من الألم، كما تقاس بالنظر إلى آثارها الاجتماعية كخوف المواطنين من عواقب الجريمة إذ إنها قدوة
(1) نفسه ص 287.
(2) الفلسفة الخلقية: د. توفيق الطويل، ص 287.
(3) نفسه ص 287.