فهرس الكتاب
وبعدُ، فإذا كان المقصودُ بالدَّعوة النِّسوية استخلاصَ حقوقِ المرأةِ في المجتمعات التي تظلمُها فأهلًا بها وسهلًا، بل هي من أوجبِ الواجباتِ، وقد أتى الإسلامُ في هذا المجالِ بروائعَ وبدائعَ، لكنَّه نبَّهَ إلى أنَّ الحياةَ تعاوُنٌ بين الرَّجُلِ والمرأةِ، وأنَّ كُلاًّ منهما بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى الآخر؛ إذ لا يمكِنُ أنْ تسير أمورُ الدُّنيا بقدمٍ واحدةٍ، مثلما لا يمكِنُ اليدَ الواحدة أن تصفِّقَ، أمَّا إنْ تحوَّلت النِّسوية إلى معاداةٍ للرجل، وتمرُّدٍ عليه لوجهِ التمرُّدِ، وتنكُّرٍ لفطرةِ الله التي فطَرَ النساء عليها؛ فإنَّها تقودُ إلى ما لا تُحمَدُ عقباه.
وفى الأساطير الإغريقية أنَّ جماعةً من النِّساء قد تمرَّدْن على الرِّجال وأقمْنَ مجتمعًا يخلو تمامًا من جنس الذُّكورِ، فانتهى بهن الأمرُ إلى عِوَجٍ في الفكرِ، وشذوذٍ في السُّلوكِ، وخروجٍ على مقتضيات الإنسانيَّة، ثم إنهنَّ بعد هذا كلِّه لَم يستطعْنَ الاستغناءَ عن الرِّجالِ، ولَم ينلْنَ إلا الخِذْلانَ، وقد انتصر الرِّجالُ في نهاية المطاف، وعادت ريمة لعادتِها القديمة.
لقد كنَّ حريصاتٍ على أنْ يخلوَ مجتمعُهن من الذُّكورِ خُلوًّا تامًّا، إلا أنَّه كان من المستحيل عليهن - كما هو متوقَّعٌ - أن يستغنينَ عن الرِّجالِ، فكن يَلْقَيْنَهم مرَّةً واحدة في العام من أجلِ التَّناسُل، ثم ينفِينَهم عقِبَ ذلك خارجًا مرة أخرى، وإذا ما ولدْنَ ذكرًا قتلْنه أو ألقينه بعيدًا عن مجتمعِهن، كما بلغ من شذوذِهنَّ أنهن كنَّ يستأصلْنَ أثداءَ صغيراتِهن اليمنى كى يستطعن حين يكبَرْن ويَصِرْنَ محارباتٍ يفوِّقن السِّهامَ إلى نحورِ الأعداءِ في الحرب - أن يضعْنَ مكان أثدائِهن اليمنى الأقواسَ ويشدُدْنَها على آخرِها براحتِهن دون عائقٍ منها، وكانت النتيجة أنْ حارَبَهن الرِّجالُ، وهزموهن، وأخضعوهن لسيادتِهم من جديد.
وفى نساء المسلمين هذه الأيامَ ورجالِهم مَنْ فقَدَ حَصافتَه وشرَعَ يؤرِّث العداوةَ والبغضاءَ بين الرَّجُلِ والمرأةِ، وكأنَّنا في حربٍ عَوَانٍ لا بدَّ أن تنتهي بالنِّساء غالباتٍ ومذِلاَّتٍ للرِّجال، وإلا