الصفحة 122 من 138

ولقد كتب د. النويهى هذا في عهد جمال عبدالناصر، وكان متحمِّسًا تحمُّسًا شديدًا للاشتراكيَّةِ، ولِمَا كان عبدُالناصر يأتيه من قراراتٍ أو ينفِّذُه من تطبيقاتٍ، باعتباره التقدُّمَ كلَّ التقدُّمِ، دون أن ينبِسَ بكلمةٍ واحدة عن الاستبدادِ المروِّعِ الذي كان ترزحُ مصرُ تحته آنذاك، والذي أخرس الألسنَ إخراسًا فلم تعُدْ تنطِقُ ببنتِ شفَةٍ، ولقد زالت الاشتراكيةُ والشُّيوعيةُ من كلِّ بلاد العالَمِ تقريبًا؛ إذ ثار عليها وعلى الحكوماتِ التي كانت تقومُ عليها في بلاد الكتلة الشَّرقية - أوَّلَ من ثار - العمَّالُ والفلاحون، كما اختفت من مصرَ وحلت محلَّها ليبراليةٌ تختلف معها على طول الخطِّ، ومع هذا فوجِئْنا بكتاب د. النويهى يعادُ نشرُه رغم ما فيه من تحمُّسٍ شديدٍ للنظام الاشتراكيِّ الذي لَمْ يعُدْ له وجودٌ في مصرَ ولا في غيرِ مصرَ، والسبب؟

السببُ هو جعْلُ الكتَّابِ الاشتراكيةَ حاكمةً على نظام الإسلام التَّشريعي، بحيث إذا تعارض الإسلامُ والاشتراكيةُ كسَبت الاشتراكيةُ على طول الخطِّ دون"إِحِم ولا دستور".

ومن العجب العاجب أنَّ الأستاذة"بارلس"تؤكِّدُ أنَّ المرأة في الجاهلية وعصر الرسولِ كانت تتمتَّعُ بوضعٍ اجتماعي راقٍ (ص 169) ، إذًا فكيف تزعمُ أنَّ الآياتِ التي تظنُّ هي أنَّها لا تلائمُ المرأةَ قد نزلت في ذلك العصرِ مسايَرةً له؟ أية مسايَرة، وهي تقولُ بعظمةِ لسانِها: إنَّ وضْعَ المرأةِ كان متقدِّمًا كثيرًا؟ لقد كان الأَوْلى - لو كان تأديبُ الرَّجُلِ لزوجتِه التي لا تريدُ أن تفيءَ إلى صوتِ العقلِ، فتحرصَ ألا ينهدمَ بناءُ الأسرةِ مما لا يليقُ من ناحية المبدأ على الأقلِّ - أنْ تنزلَ آيةٌ تحرِّمُ التعرُّضَ للمرأةِ بأية وسيلة، لافتةً النَّظرَ إلى ما أحرزَتْه من وضعٍ اجتماعيٍّ راقٍ لا يليقُ معه أن يتعرَّضَ الزَّوجُ لزوجتِه بشيءٍ مهما تكن الظروفُ، على أنَّ الكاتبة لا تكتفي بما قالته عن مسايرةِ القرآن للأوضاعِ السَّائدة وقتذاك، وكأنَّ القرآنَ إنَّما أتى لتثبيتِ الأوضاع المُعوجَّة لا لهدمِها، وهو ما يقلِبُ أمرَه رأسًا على عقِبٍ كما نرى، بل تَزيد على ذلك اتِّهامَها للمفسِّرين بأنهم هم الذين أنطقوا القرآنَ بما ليس فيه (ص 168) ، وهذا يقودُنا إلى التساؤل الخطِرِ: مَن يا ترى أولئك المفسِّرون الذين فعلوا ذلك؟

لقد انطلق المفسِّرون في فهمِهم للنصِّ القرآنيِّ الكريمِ مما قالَه الرَّسولُ من أحاديثَ أوردنا بعضَها فيما مرَّ؛ أي: أنَّ الرَّسولَ - صلى الله عليه وسلم - بوصفِه المفسِّرَ الأوَّلَ قد خضع - بِناءً على ما تقوله بارلس - لضغوطِ البيئةِ التي أتى لتغييرِها، وهو ما يعني أنَّ الآيةَ قد انقلبت معه، وبدلًا مِنْ أنْ يغيِّرَ هو البيئةَ إلى الأفضلِ غيَّرتْه هي إلى الأسوأِ، وهذا كلامٌ لا يقولُ به مسلِمُ، تقول"بارلس"في تلك النقطة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت