فهرس الكتاب
ذلك أنَّ الأمرَ ليس يرجع إلى أهوائنا، بل إلى نصٍّ واضحٍ صريحٍ في هذا السبيلِ يُزيل الإشكالَ، إنْ كان ثَمَّةَ إشكالٌ.
أمَّا أنْ تظنَّ أنه ليس عليها إلا أن تقولَ ما يَعِنُّ لها فنَخِرَّ نحن على ما تقولُ صُمًّا وبُكْمًا وعُمْيًا، فليس من الإنصافِ ولا من الحصافةِ في شيءٍ.
ولقد قال د. محمد النويهى بمثل ما قالته"بارلس"في كتابه:"نحو ثورة في الفكر الديني"، الذي أُعِيدت طباعتُه هذه الأيام، ولكن دون أن يورِدَ دليلًا واحدًا على صحَّةِ ذلك الزَّعمِ العجيبِ الذي لَم يقُلْ به أحدٌ طَوالَ الأربعة عشر قرنًا الماضية، فضلًا عن مناقضتِه للقرآنِ المجيد والحديث الشريف، اللذين كرَّرا وأكَّدا عالميَّةَ الرِّسالةِ المحمَّدية؛ أي: امتدادَها، بحيث تغطِّي الأممَ والعصور جميعًا.
ومن المعروف أنَّ الحُكْمَ الذي يوردُه القرآنُ إذا كان مؤقَّتًا فإنَّ القرآنَ ذاتَه سَرعان ما ينسخه مبيِّنًا صراحةً أو ضمنًا أنَّ العملَ به قد انتهى، وأنه إنما كان تشريعًا مؤقَّتًا لا يُقْصَد به التَّأبيدُ، وأتصوَّرُ أنَّ السبب في ذلك أنَّ هذا الحُكْمَ الأَوْلِيَّ لا يسايرُ الطبيعةَ البشرية مسايرةً دائمةً، بل قُصِد به حفْزُ المسلمين؛ لإنجاز أكبرِ قدرٍ من العمل الطيِّبِ في الدُّفعةِ الأُولى؛ كقوله - تعالى - مثلًا: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة/ 284] ، الذي نزل بعده قولُه - جل شأنُه - من نفس السورة: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة/ 286، ومنه قولُه - عَزَّتْ قدرتُه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ} [الأنفال/ 65] ؛ إذ سرعان ما نزلت الآيةُ التاليةُ له قائلةً: {الآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال/ 66] .
ولقد كان من الواضح أنَّ د. النويهي يجعل الاشتراكيةَ هي الأساسَ الذي ينبغي أن نلتزمَ به، ولا نحيدَ عنه، بحيث إذا تناقض القرآنُ والاشتراكيةُ فإنَّ الاشتراكيةَ تكسِبُ، ويخسَرُ القرآنُ، وهو ما يعني بكلِّ وضوحٍ أنَّ الاشتراكيةَ دائمةٌ، والقرآنَ زائلٌ، وأنَّ أحكامَه التي تنزل ليلًا ما إنْ يطلع عليها النهارُ حتى تسيحَ كما يسيحُ الزُّبْدُ، و"لا من شاف ولا من دري".