هي قوله - عزَّ شأنه: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1] ، فكيف وصل الحالُ بأمَّة الإسلام إلى أن تَكرَه القراءة كلَّ هذه الكراهية، رغْم ما للعِلم وللسَّعْي في سبيلِ تحصيله في الإسلام مِن مكانة لا تكاد تُدانيها مكانةٌ، حتى إنَّ الإسلام ليفضِّل العالِمَ على العابدِ تفضيلًا كبيرًا، وحتى إنَّ الشيءَ الوحيد الذي أُمِر الرسولُ الكريم بالاستزادةِ منه هو العِلم؛ {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] ، بل حتى إنَّ السعي وراءَ تحصيلِ العلم هو فرضٌ واجبٌ يأثَم المسلمُ بإهماله، وليس مجرَّدَ حقٍّ مِن الحقوق يُمكنه أخذُه أو ترْكه؟!
أما أنَّ هناك دولًا إسلاميَّة تمنَع الناسَ مِن قراءة القرآن وفَهمه، فلا أدري عن أيَّة دولة أو دُول تتحدَّث الكاتبة؛ إذ لم أسمع يومًا بشيء مِن هذا! اللهمَّ إلاَّ إذا كانتْ تقصِد أنَّ العلماءَ قد يُبدون استنكارَهم حين يرون شخصًا غير مؤهَّل، على الأقل: في نظرِهم، يتصدَّى للحديث والفُتيا في أمورِ الدِّين، فإنْ كان الأمر كذلك لقدْ كان يجب عليها، وهي الأستاذة الجامعيَّة، أن تعرِف أنَّ التخصُّص أمرٌ لا بدَّ منه إذا أراد الإنسان أن يَزُجَّ بأنفه في قضيةٍ ما؛ أليس كذلك؟ وليس شرطًا أن يكونَ الإنسان متخرِّجًا في كلية دِينيَّة حتى يكون متخصِّصًا؛ ذلك أنَّه مِن الممكن جدًّا تعويض هذا بالقراءة الواسِعة العميقة والمثابَرة ومدارسة العلماءِ والانشغال بالأمْر انشغالًا جادًّا والمراجَعة المستديمة له، فضلًا عن أنْ يكونَ الشخص مؤهَّلًا للفَهم السليم العميق والتفكير المستقلّ ... إلخ.
ثم تَمضي قائلةً: إنها، حين ألَّفتْ كتابها هذا، لم تضع في ذِهنها أنَّها تخاطِب المسلمين وحدَهم، بل المسلمين ومَن يعيشون معهم في نفْس المجتمع، وهو ما جلَب عليها العداوةَ طولَ الوقت، تقصِد عداوةَ قطاعاتٍ مِن المسلمين الذين يَرَوْن، حسبما وَضَّحَتْ، أنَّهم شيءٌ مختلف عنِ الآخرين وأنَّ هناك حدودًا حاسمة تفصِل بيْنهم وبيْن أولئك الآخَرين؛ إذ يؤمنون بأنَّ هؤلاء الآخرين لا يَشترِكون معهم في أي شيءٍ، على عكس ما تَعتقد هي، فأمَّا أنَّ المسلمين متفرِّدون بأشياءَ فهذا صحيح، فهُم الوحيدون في العالَم الآن الذين يوحِّدون الله حقَّ توحيدِه، وهم الوحيدون الذين لم يمدُّوا أيديَهم إلى كتابهم المقدَّس فيحرِّفوه كما فعلتْ أُممٌ أخرى عبثتْ بكتابها، أو نسيتْه وأهملتْه فضاع في أطواء التاريخ.
كما أنَّ دِينهم دينٌ عالمي، لكنهم مِن جِهة أخرى بشَر مِن البشَر لا يُفترقون في هذا عن أيَّة أُمَّة أخرى مِن الأمم، بَيْدَ أنَّ قولها: إنَّها - حين ألَّفت كتابها هذا - قد وضعتْ غيرَ المسلمين في اعتبارها، فأخشى ما أخشاه أن يؤثِّر ذلك على عَرْضِها للإسلام فتَعمل على تقريبِه ممَّن يُوجَدُون