الصفحة 19 من 138

بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ [البقرة: 228] ، والمفهوم أنَّ هذه الدرجةَ هي درجةُ القِوَامة، التي أُعطيت للرجل مِن دون المرأة، إذ ما مِن مؤسَّسة أو شَرِكة إلاَّ ولها رئيس يقوم بمسؤوليتها ويتحمَّل أعباءَها، وإنْ لم يترتَّبْ على هذا أن يكونَ هناك سادَةٌ وعبيد، بل هي مسألةٌ تنظيميَّة بحْتة، وهذا هو حُكم القرآن، فلا مُشَاحَّة لمسلمٍ في هذا، ثم إنَّ الرجل والمرأة فيما وراءَ ذلك حُرَّانِ (حريَّة نسبية طبعًا) ، فيُمكنهما أن يُنتجَا ويُبدِعَا ويستمتعَا بالحياةِ طعامًا وشرابًا، وجنسًا وسماعًا وقِراءةً وترحالًا، وبيعًا وشراءً وعملًا ونومًا، واسترخاءً واسترجاعًا للذِّكريات وتَطلُّعًا إلى المستقبلِ وتربية للأولاد، وتزويجًا لهم مع مراعاةِ أحكامِ الشريعةِ ومواصفات الخُلق الكريم، وقواعد اللياقة والذوق السَّليم، وما إلى ذلك ...

وتَجري الأحاديثُ التالية في نفْس المجرَى الذي تَجْرِي فيه الآية: فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: (( ألاَ أُخبِرُكم بخيرِ ما يُكنَز؟ المرأة الصالحة: إذا نظَر إليها سَرَّتْه، وإذا أمَرَها أطاعتْه، وإذا غابَ عنها حَفِظتْه ) )، وعن أبي هُرَيرَةَ - رضي الله عنه-: (( أنَّه سُئِل عن خيرِ النِّساء فقال: التي تُطيع زوجَها إذا أمَر، وتسرُّه إذا نظَر، وتحفظُه في نفسِها ومالِه ) )، وعنه - رضي الله عنه - أيضًا: (( قيل: يا رسولَ الله، أيُّ النِّساء خيرٌ؟ قال: التي تسرُّه إذا نظَر، وتُطيعه إذا أمَر، ولا تُخالِفه في نفسِها ولا في ماله بما يَكْرَه ) )، على حين أنَّ ما أوجبَه - صلى الله عليه وسلم - على الرِّجالِ تُجاهَ النِّساء هو تلبيةُ حاجاتهنَّ مثلما يلبُّون حاجاتِ أنفسِهم، والرِّفق بهن ومعاملتهنَّ معاملةً كريمة؛ (( أيُّها الناس، إنَّ النساءَ عندَكم عَوَانٍ، أخذتموهنَّ بأمانةِ الله، واستحللتُم فروجهنَّ بكلمةِ الله، ولكم عليهنَّ حقٌّ، ومِن حقِّكم عليهنَّ ألاَّ يُوطِئْن فُرُشَكم أحدًا، ولا يَعصينكم في معروفٍ، فإذا فعلنَ ذلك فلهنَّ رِزقهنَّ وكسوتهنَّ بالمعروف ) (( خيرُكم خيرُكم لأهلِه، وأنا خيرُكم لأهلي ) (( ما أكرمَ النِّساءَ إلا كريمٌ، ولا أهانهنَّ إلا لئيمٌ ) (( عجبتُ مِن قضاءِ الله للمؤمن: إنْ أصابَه خيرٌ حمِد الله وشَكَر، وإنْ أصابتْه مصيبةٌ حمِد الله وصَبَر، فالمؤمن يُؤْجَر في كلِّ شيءٍ حتى في اللقمةِ يَرفعُها إلى فِي امرأتِه ) )، فمِن الواضحِ مِن هذه الأحاديث أنَّ للرجل حقَّ القوامة، وإلا ما كان لأمرِه - صلى الله عليه وسلم - للزوجةِ بطاعة زوجِها ولا لأمْره إيَّاه بالرِّفق بها والإحسان إليها معنًى.

أمَّا قول السيدة بارلس: هل ينظُر الله إلى النِّساء على أنهنَّ ضعيفاتٌ نجساتٌ خاطئات؟ فالجواب عنه هو أنَّ الله قد خلَق البشرَ جميعًا ضعفاء: الرِّجال منهم والنِّساء على السَّواء، يقول المولى - جلَّ جلاله: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28] ، إلاَّ أنَّنا نرَى بأعيننا ونلمَس بأيدينا ونشعُر في قرارةِ قلوبنا ونستنتج بعقولِنا التي في رُؤوسنا ونسمَع بآذاننا ونحسُّ في أعماقِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت