وعَوْدًا إلى د. أسماء بارْلَسْ نراها تطرَح عددًا مِن التساؤلات مِن بينِها السُّؤال التالي: هلِ الإسلام يدْعو إلى ظلمِ المرأة أو على الأقل: يَرضَى به؟ أم هو على العكس مِن ذلك يُشجِّع حريةَ النِّساء؟ وهلِ الله في الإسلام أبٌ يميل إلى الذُّكور، وله علاقة خاصَّة بهم، ويرَى فيهم تجسيدًا لصفاته الإلهيَّة، وينظُر إلى النِّساء على أنهنَّ ضعيفاتٌ نجساتٌ خاطئات؟ وهل يرَى في إدارةِ الذُّكور لشؤونِ الأُسرة أمرًا ينبغي استمرارُه بوصفِه قاعدةً خالدةً كما يقول البطرياركيون؟ وهلِ الإسلام يُقيم فروقًا بيْن الجنسين وانحيازًا إلى الذُّكور، وتفضيلًا لهم على أساسِ الاختلافاتِ البيولوجيَّة بيْنهم وبيْن النِّساء، أو أنَّ تعاليمَ القرآن تنتصِر للمساواة والتشابُه بيْن الجِنسين؟
فأمَّا أنَّ القرآن يُحابي الرِّجال فكلاَّ! ثم كلاَّ، فليس الله ذَكرًا ولا أُنثى حتى يقال: إنَّه يميل ناحيةَ جنسِه، أستغفر الله تعالى! لكنِّي في ذات الوقت لا أفهم كيف يُشجِّع الله حريةَ النساء؛ إذ ما المقصود بالحرية هنا؟ الواقع أنَّه ما مِن دِين، بل ما مِن فلسفة أو نظام إلا وله قيودُه التي لا بدَّ لأتباعه أن يَتقيَّدوا بها، هذه هي الحياة، وتلك هي أوضاعها، ولا مَحيدَ عنْ ذلك أبدًا، ومِن ثَمَّ فلا الرَّجل ولا المرأة حُرَّان تامَّا الحرية؛ إذ هناك الحلالُ والحرام والأعراف والتقاليد واللائق وغير اللائق ... إلخ، ولا مناصَ مِن مراعاة ذلك كلِّه، وإلاَّ فالحريةُ المطلَقة إنما هي وهْمٌ لا وجودَ له في أيِّ مكانٍ في الدنيا لا في السموات ولا في الأرَضين، فنحن مخلوقون، وكلُّ أمورنا نسبيَّة بما فيها، بل على رأسها الحريَّة، والله - سبحانه وتعالى - لا يرَى في الرِّجال تجسيدًا لصفاتِه الإلهيَّة؛ إذ هذه نظرةٌ وثنيَّة لعَلاقة الله بعبادِه، نعوذ بالله منها، وهناك دائمًا ذلك الفَرْق بيْن الله ومخلوقاتِه، وهي أنَّ كلَّ ما في أيديهم أو يتَّصفون به هو هِبَةٌ مِن الله لا كَسْبٌ أنجزوه بأنفسِهم مِن العدم، كما أنَّ كلَّ ما يتمتَّعون به مِن صِفاتٍ هو نِسبيٌّ محدودٌ له بدايةٌ ونهايةٌ، على حين أنَّ صِفات المولَى مطلَقة لا تُحَدُّ، فليس لها مِن ثَمَّ بدءٌ ولا انتهاء.
ثم إنَّ الرجلَ والمرأة يستويانِ في خضوعِهما لتلك القيود؛ أي في نِسبيَّة الحريَّة، ونفْس الشيءِ يُقال عن قيودِ الدِّين، أي: أوامره ونواهيه؛ إذ هي تلزمُ الجنسين جميعًا لا النساء وحدهنَّ، وبناءً عليه إذا كان الإسلام مثلًا يُحرِّم على المرأة الزِّنا، فهو يُحرِّمه أيضًا، وبنفْس القوَّة على الرَّجل، وعلى ذلك فَقِسْ كلَّ أوامر الدِّين ونواهيه بالنِّسبة إليهما، لكن لا بدَّ في نهايةِ المطاف أن نكونَ على ذِكْرٍ من أنَّ للرجل على المرأةِ درجةً بنصِّ القرآنِ المجيد: وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ