الصفحة 37 من 138

مبدِعُ النصِّ القرآني ذاته - سبحانه وتعالى - تلك الظروفَ، وإلاَّ فلن نصلَ إلى أي معنى محدَّد للنص، بل يصير نصًّا مفتوحًا قابلًا لكلِّ تأويل إلى أبدِ الآبدين لا ينغلق أبدًا، وحتى لو قلنا: إنَّ هذا مقبولٌ في بعض الأحيان فيما يخصُّ النصوصَ البشرية، فإنَّ النصَّ القرآني أمرُه مختلف، إذ هو نصٌّ إلهيٌّ يعلو على تلك الاعتبارات النسبية، ثم لا يَنبغي أن ننسَى أنَّ الفهم السليم للنصِّ القرآني لا يكون بمراعاة ظروف المجتمع والعصر كما تُريد بارْلَس، بل بمراعاة الرُّوح العامة للقرآن والإسلام ذاته ومراعاة جميع النصوصِ المتعلِّقة بذات الموضوع في سُور القرآن المختلفة مصحوبةً بأسباب نزولها وسياقاتها، ومراعاة ما قاله الرسولُ الكريم في تفسير ذلك النصِّ كلامًا أو سلوكًا عمليًّا، ومراعاة فَهم الصحابة لتلك النصوصِ باعتبارهم الجيلَ المعاصر لنزولها ولتطبيقِ الرسول - عليه السلام - لها، وقبلَ ذلك كلِّه دراسة اللُّغة العربيَّة ذاتها دراسة متعمِّقة في ضوءِ النصوصِ الشعريَّة الجاهليَّة والإسلاميَّة وغيرها، وهو ما أظنُّه ينقص د. بارلس نقصانًا شديدًا.

وبعدُ، فهلْ يمكن د. بارلس أن تَدلَّنا على نصٍّ في القرآن يؤازر ما قالتْه عن مراعاةِ كتاب الله لمواضعاتِ المجتمع العربي البدوي في القرن السابع الميلادي؟ أم هلْ بمستطاعها أن تبرزَ لنا نصًّا للرسول أو لأحدِ الصحابة يقول فيه، أو على الأقل: يُفْهَم منه، أنَّ كلام القرآن في هذا الموضوع هو كلامٌ مرحليٌّ لا يُقْصَد به التأبيدُ، بل يُراعِي ظروفَ المجتمع العربي في ذلك الوقت، إلى أن تتغيَّر الأمور ويتجاوز العربُ المرحلة البطرياركية؟ إنَّ ما تقوله لهو خطيرٌ في منتهى الخطورة، ولنفترض جدلًا، وهو ما لا يُمكن أن يكون، أنَّ ما تقوله صحيح، فكيف لم يتنبهْ إلى ذلك علماءُ الفرس ومصر وما وراء النهر، وبلاد المغرب والأندلس، فيقولوا بما تقوله بارلس الآن؟! لقد كانوا يَعيشون في مجتمعاتٍ زِراعيَّة لا بدويَّة، وأعجميَّة لا عربيَّة، كما كانوا ينتمون إلى عصور تختلف عن القرن السابع الميلادي، فلِمَ يا ترَى ظلُّوا يقولون بما قالَه القرآن؟ أوْ كانوا هم أيضًا يُراعون ظروفَ المجتمع العربي البدوي الذي يَنتمي إلى القرن السابع الميلادي، والذي تشبه ظروفُه - كما تقول هي - ظروفَ طالبان، رغمَ اختلافها عن ظروف بيئاتهم وعصورهم؟ ولنلاحِظ مغزى الزَّجِّ في هذا السياق باسمِ طالبان، التي ترتبط في أذهانِ الأمريكان، بسببِ الدعاية الجهنميَّة، بالتخلُّف الفظيع والتي تكرهها أمريكا كراهيةَ العمى، وتنساق الباكستان وراءها في محاربتها رغمَ أنَّ طالبان لم تُسِئ إليها في شيءٍ، ورغم أنَّ طالبان تنتمي، مثلما تنتمي هي، إلى الإسلام وإلى دول العالَم الثالث المتخلِّف، مما كان يَنبغي أن يعطفها عليها ويدفعها إلى التعاونِ معها لا العكس!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت