الصفحة 36 من 138

وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [الأحزاب: 40] ، وقال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: (( فُضِّلْتُ على الأنبياءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جوامعَ الكَلم، ونُصِرْتُ بالرُّعب، وأُحِلَّتْ لي الغنائمُ، وجُعِلَتْ لي الأرض طَهُورًا ومسجدًا، وأُرْسِلْتُ إلى الخَلْق كافَّةً، وخُتِمَ بي النبيون ) (( أُعْطِيتُ خمسًا لم يُعْطَهن أحدٌ قبلي: نُصِرْتُ بالرُّعب مسيرةَ شهر، وجُعِلَتْ لي الأرض مسجدًا وطَهُورًا، فأَيُّمَا رجلٍ مِن أمَّتي أدركتْه الصلاةُ فليصل، وأُحِلَّتْ لي المغانمُ ولم تحلَّ لأحدٍ قبْلي، وأُعْطِيتُ الشفاعةَ، وكان النبيُّ يُبْعَث إلى قومه خاصَّة، وبُعِثْتُ إلى الناسِ عامَّة ) ).

ثم هلْ كان ضربُ الرجال في الجاهلية لزوجاتِهم فاشيًا إلى هذا الحدِّ حتى ليراعي القرآن ذلك في السماحِ لهم به؟ إنَّه يرسي حُكمًا جديدًا، وهذا الحُكم الجديد لا ينحصِر في الضرب، بل ولا يعتمده أوَّلَ شيء. إنما يؤخِّره إلى المرتبة الثالثة التي لا يَصل الزوجُ إليها إلا بعدَ أن يكون قد فاض به الكيلُ، ولم يعدْ يستطيع شيئًا آخر، فقدِ استنفد الوسائل الأخرى مِن وعْظ وهجْر في المضجع، ولم يعُدْ أمامه إلا إخراج الأمر إلى العَلن، واللجوء إلى التحكيم، وهو ما مِن شأنه كشفُ أسرار البيت وفضْح شؤونه الداخليَّة التي لا يجوز في الظروفِ العادية أن يَطَّلع أحدٌ عليها، وفي ذلك ما فيه مِن الغضاضة، التي لا يُعَدُّ تأديب الرجل زوجتَه شيئًا بجانبه، ومع هذا كلِّه فليس الضربُ في الإسلام شيئًا مرحَّبًا به، بل هو كالدواء المرِّ لا يلجأ إليه الإنسان إلا إذا ضاقتْ سُبل العلاج الأخرى في وجهه، وقد حذَّر الرسولُ الرجالَ مِن المسارعة إلى اللجوءِ لهذا الدواء، وقال كلامًا شديدًا في هذا الموضوع، وهو ما يفهم منه أنَّ الضربَ دواء، لكنَّه دواء غيرُ مستحبٍّ ولا يستعمله الشخصُ إلاَّ في حالات الضرورة القصوى، ومِن حقِّ المرأة أن تَثورَ على تلك الطريقة العلاجيَّة: إما بأن تَفيء إلى السلاسةِ في تعاملها مع زوجِها، وإما بأن تطلُب الطلاقَ أو تمارس حقَّها في الخلع، ويا دار ما دخلَك شر! أمَّا أن تُصرَّ على تنكيدِ عيش زوجها دون أن تستجيبَ لأيٍّ مِن العلاجات التمهيديَّة، ثم تُصر على ألاَّ يمسها الزوج رغمَ كلِّ حرونها وتمردها وإساءاتها، فهذا ما لا أدري كيف يكون!

وعلى كل حال؛ فالضربُ موجودٌ في كل المجتمعات والثقافات، وفي المجتمعات الغربيَّة يصل الضربُ وقسوته مبالغَ هائلةً لا تخطُر على البال، كل ما في الأمر أنَّنا لا نقرأ كثيرًا، فضلًا عن أنَّ امتلاك تلك المجتمعات أسبابَ القوة والتقدم يجعلهم غير مبالين بما يُمكن أن يوجَّه إليهم مِن انتقادات، وتجعلُنا بالمقابل غيرَ واثقين بأنفسنا ولا بإصابة انتقاداتنا لأهدافها عندهم.

كذلك فالمفروض لََدُنْ نفسيرِنا للنصِّ القرآني أن نجتهدَ بكل ما أوتينا مِن قوة لإبعادِ ظروفنا الخاصة حتى لا تؤثِّر في ذلك التفسير، فينحرف عن مقصودِ النص بتأثيرٍ منها، لا أن يُراعي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت