الصفحة 35 من 138

هذه، أن تكونَ أشدَّ استعصاء مِن القرآن على مراعاةِ أوضاعِ المجتمع الذي تَعيش فيه، أمْ تُرَى المجتمع الأمريكي الذي تَعيش وتعمل فيه هو مجتمعًا مِن الملائكة الذين لا يُسيئون أبدًا ولا يمكن أن يمارسوا - ولو عن غيرِ قصدٍ منهم - أيَّ تأثيرٍ ضارٍّ على مَن يريد مِن أفرادِه تفسيرَ القرآن؟ وفوق هذا فلو أنَّ ما تقوله صحيح لما كان لمجيء الإسلامِ مِن معنى؛ إذ ها هو ذا الإسلامُ قد راعَى ظروفَ الناس وعقليَّاتهم عند نزوله، ولم يراعِ القيمَ والأوضاع التي جاءَ داعيًا إليها، فما الحِكمة إذًا من مجيئه أصلًا؟ ثم إنه لو كان هذا صحيحًا، فكيف لم يراعِ القرآن أوضاع المجتمع العربي الوثني الأخرى آنذاك، فدعَا على العكس مِن ذلك إلى الوحدانية ونبْذ عبادة الأوثان، ونهَى عنِ الرِّبا والزِّنا والتفرقة العنصريَّة وشُرْب الخمر والتفاخُر بالآباء والقبيلة وما إلى ذلك ممَّا كان المجتمع العربي آنذاك يمارسه على نِطاق واسع ويتمسَّك به، ويرى خلافه أمرًا غيرَ متصوَّر ولا مقبول أبدًا؟ وقلْ مثل ذلك فيما قاله القرآنُ عن اليهوديَّة والنصرانيَّة.

وإذا كان المهاجرون إلى الحبشةِ مِن المسلمين، وهُم قلَّة ضعيفةٌ من الغرباء يمكن افتراسُهم دون أن يُسمَعَ بهم، فضلًا عن أن يهبَّ لنجدتهم أحد، لم يضعوا في اعتبارهم ما كان الأحباشُ يعتقدونه آنذاك في عيسى - عليه السلام - وصَدَعُوا في مجلس النجاشي بما يعتقدونه هم دون أن يلجؤوا إلى مواراةٍ أو مواربة أو جَمْجمة، بل دون أن يتلفتوا حولَهم مجرد التفاتة تشِي بقلق أو شُعور بالضغط والضيق، فكيف يقال عن القرآن هذا الذي تقوله السيِّدة بارلس؟ أترَى المهاجرين إلى الحبشة كانوا أقوى مِن الله وأخلصَ لمبادئه ودعوته، أستغفِر الله؟! وهذا مجرَّد مثال واحد، وإلاَّ فهناك أمثلة أخرى كثيرة كما هو معروف، وإذا كان ما تُشير إليه د. بارلس بكلِّ وضوح صحيحًا، إذًا فمِن الواجب أن يُراعِي المسلمون الأمريكان أو المقيمون في أمريكا ظروفَ المجتمع الأمريكي، فلا يفتحوا فمَهم بكلمةٍ عن التثليث ولا عن الخمر ولا عن الإباحيَّة والشذوذ الجنسي، ولا عن الهجمة الأمريكيَّة على بلادِ المسلمين، ولا عن الحِشمة في الملابس ولا عن عالميَّة الإسلام ... إلخ.

ثم كيف يكون القرآن عالميًّا، وبارلس تتَّهمه بأنَّه إنما راعَى ظروف المجتمع العربي في القرن السابع بعدَ الميلاد؟ إنَّ هذا الكلام لهو ضربةٌ للإسلام في الصميم؛ إذ تجرُّده مما يتميَّز به عن جميعِ الأدْيان الأخرى حسبما نصَّ القرآن المجيد، وأكَّدت الأحاديث المحمديَّة الشريفة؛ قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 38] ، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] ، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [سبأ: 28] ، مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت