الصفحة 34 من 138

للطرفين، وفى ذات الوقت تكون هناك مساواة بينهما، على حين قد تكونُ المعاملةُ واحدةً، ولا تكون ثَمَّ مساواة رغمَ ذلك (ص 5) .

صحيح أنَّ القرآن يشرع تعدُّد الزوجات، ويقول بضرْب المرأة (المقصود طبعًا: المرأة الناشِز التي لا صلاحَ لها بالوسائلِ السلميَّة الكريمة) ، ويُعطي الرجلَ حقَّ القِوَامة في المجتمعاتِ الأبويَّة القائمة فعلًا، إلا أنَّه ينبغي التفرقةُ بيْن مخاطبة القرآن لتلك المجتمعاتِ الأبوية وبيْن اعترافه بما يَسودُها مِن أوضاعٍ حسبما تقول الكاتبة؛ إذ الأمرانِ مختلفانِ على عكسِ ما يظنُّ كثيرٌ مِن الناس، فضلًا عن أن تَعدُّد الزوجاتِ وضربهنَّ وما أشبه، هي تشريعاتٌ ذاتُ طبيعةٍ تقييديَّة لا إطلاقيَّة، وأنَّ القرآنَ إنَّما نزَل في بيئةٍ بدويَّة أبويَّة، تنتمي إلى القرن السابع الميلادِي، مما يشبه الوضعَ تحتَ حُكم طالبان في أفغانستان اليوم.

وعلى هذا فإنَّ قِراءتنا للقرآن في ظلِّ هذا السياق الذي نزل فيه يُطلعنا على ما فيه مِن نزعةٍ مساواتية بين الرجل والمرأة، لا على ما يُظَنُّ أنَّه يشتمل عليه من ظُلم للجنس اللطيف، إلا أنَّها تسارع فتنبِّه إلى أنَّ كلامها هذا ليس معناه أنَّ القرآن لا يَقصِد بنصوصه شيئًا محدَّدًا البتةَ، أو أنَّه يفتقر إلى العالمية أو العمومية بمعنى أنَّ ما فيه مِن نزعةٍ نحو المساواة بيْن الرجال والنساء إنَّما هو كذلك في سياقِ القرنِ السابع الميلاديِّ ليس إلاَّ، على حين أنه ليس كذلك في عصرِنا الحالي.

وتَعقيبي على ذلك أنَّه لو كان الأمرُ كما تقول بارلس، فمِن باب الأولى ألا يكون فَهم النصِّ في ضوءِ ظروفِ عصرِنا ومجتمعاتنا الحديثة هو الفَهم الصحيح، ذلك أنَّه، ما دام القرآن نفْسه قدْ خضَع للمجتمع الأبوي في جزيرة العرَب أثناء القرن السابع الهِجري، كما تُشير الكاتبة بكلِّ وضوح، فمِن الحتم الذي لا محيصَ عنه أن تكونَ هي بدورها خاضعةً في فَهمها لنصوصِ القرآن الكريم لضغوطِ المجتمع الأمريكي في القرن الحادي والعشرين بكلِّ ما يحمله هذا المجتمع في قلبِه مِن كراهيةٍ للإسلام وكتابِه ورسولِه وتاريخِه وقِيمه ودَعوته وتَشريعاتِه؛ إذ لا يُمكن أن تكونَ هي بكلِّ ضَعْفها كبشرٍ وكإنسانةٍ مكتسِبة للجنسيَّة الأمريكيَّة لا أمريكيَّة أصيلة كسيدني شيهان على سبيلِ المثال، وكسيدةٍ لا رجل قوي كإدوارد سعيد مثلًا، يستطيع أن يتحمَّل من الضغوط ما لا تستطيعه هي، فضلًا عن أنَّها تمثِّل الجيل الأوَّل مِن مهاجري أُسرتها، وليس لها بَعْدُ جذورٌ بعيدةُ الغورِ في الولايات المتحدة، كما أنَّ بلدها الأصلي ليس بلدًا أوربيًّا قويًّا عزيزَ الجانب تَعِزُّ بعِزَّته وتَقْوَى بقُوَّته، بل بلدها هو الباكستان، تلك الدولة الإسلاميَّة الضعيفة التي تتَّبع أمريكا في سياساتها المعادية للإسلام، وتحارِب معركةَ الولايات المتحدة ضدَّ الإسلام وتزجُّ بنفسها لهذا السببِ في مآزقَ سياسيَّة وعسكريَّة واقتصاديَّة هي في غِنًى عنها، أقول: إنَّها لا يُمكنها، والحالة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت