الصفحة 56 من 138

للمسلمين، وإنَّ هذا سببُ اختلاف قِراءة النصِّ القرآني وتفسيره، فإنَّنا - نحن المسلمين - نرفُض ذلك الذي قاله المستشرِقون رفضًا باتًّا، ليس فقط لأنَّ القرآن عندنا معصومٌ لا يمكن تبديله بتاتًا كما تقول هي، بل كذلك لأنَّ القرآن لم يكن محفوظًا بالكتابة وحدَها، إنما كان محفوظًا في الذاكرة أيضًا، وهي ليستْ ذاكرة شخص أو شخصين أو عدَّة أشخاص، بل ذاكرة المسلمين جميعًا، وما أدراك ما ذاكرة العرب آنذاك؟! ومِن ثَمَّ فإذا وقَع أحد النسَّاخ - على سبيل الافتراض - في خطأ أو سهو تَمَّ تصحيحُ ذلك في الحال.

كذلك فقولها: إنَّ المسلمين ينظرون إلى اختلافِ القراءات على أنَّه أمرٌ يتعلَّق بتفسير النصِّ لا بالنصِّ ذاته، مدلِّلين على ذلك بأنَّ القرَّاء والعلماء كانوا منذ البداية الأولى قبلَ تدوين القرآن يختلفون اختلافاتٍ شديدةً في قراءة هذه الآية أو تلك، قولها هذا يحتوي على زُبَانَى كزُبَانَى العقرب؛ إذ يشير إلى أنَّه قد أتى على القرآن زمانٌ لم يكن القرآن قد دُوِّن فيه بعدُ، وهو ما ليس صحيحًا البتة؛ لأنَّ القرآن كان يتمُّ تدوينه أولًا بأول غِبَّ نزوله على الرسولِ مِن السماء، وبالتالي لم يأتِ عليه قَطُّ حين من الدهر لم يكُن فيه غير مدوَّنٍ.

ثم تستطرد فتقول: إنَّ مِن الصعوبة بمكانٍ تثبيت معاني القرآن باللغة العربية، فما بالنا بتثبيتها في الترجمات، التي لا يعدُّها عامَّةُ المسلمين قرآنًا؟! ذلك أنَّ كل ترجمة إنما تتبنَّى معنًى واحدًا مع إهمال بقية المعاني الكامنة في اللفظ أو الجملة، فضلًا عن أنَّ الألفاظ والعبارات في اللغة المترجَم إليها لا تُناظِر في كثيرٍ مِن الأحيان اللفظَ أو العبارة في النص الأصلي، وهو ما أُوافقها على الجزء الأخير منه تمامًا، ونبهتُ إليه منذُ زمن طويل عند وضعي كتاب"المستشرقون والقرآن"في أوائل ثمانينيَّات القرن الماضي، ومِن هنا كان ترحيبي في ذلك الكتاب بما صنَعَه الشيخ بو بكر حمزة في ترجمته الفرنسيَّة للقرآن المجيد؛ إذ أَلْفَيْتُه يترجم الآية القرآنية بما يراه أقربَ إلى اقتناعه، لكنَّه لا يَكتفي بهذا، بل يثبت في الهامش بعض المعاني الأخرى التي يمكن أن تُفسَّر الآية بها (انظر كتابي:"المستشرقون والقرآن- دراسة لترجمات نفر مِن المستشرقين الفرنسيين للقرآن وآرائهم فيه"/ ط 2/ دار القاهرة/ 1423 هـ- 2003 م/ 87، هذا، وقدْ ظهرتِ الطبعة الأولى منه عام 1984 م، أما تأليفه فكان قبلَ ذلك بسنتين على الأقل) .

وبعدُ، أَفَلَوْ كان المفسِّرون القدماء والتقليديُّون معادين للمرأة حقًّا، أكنَّا نقرأ في تفاسيرهم وكتُب أسباب نزولهم هذا الذي سنقرؤه بعدَ قليل مما يقِف إلى جانب المرأة ضدَّ الرجل، أو يُثني على المرأة ثناءً كبيرًا، أو يسهِّل عليها حياتها ... ؟ جاء في"أسباب النزول"للسيوطي:"قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ .... } الآية [البقرة: 222] : رَوَى الترمذيُّ ومسلم عن أنس"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت