الصفحة 55 من 138

39]، فلم أجِد فيه شيئًا مما قاله بو هديبة عن تجويزه فَهمَ النصِّ القرآني فهمًا تاريخيًّا، ولا أدري كيف فهِم هو منها هذا الذي يقول! لكني في ذات الوقت أتَّفق مع أسما بارلس في أن فَهم أيِّ نص يمكن أن يتأثر بالظروف المحيطة به وبمفسِّره، علاوةً على أنَّ النص القرآني هو بطبيعته نصٌّ غنيٌّ يَقبل في بعض الأحيان تفسيراتٍ مختلفة؛ إذ يعتمد في حالاتٍ كثيرةٍ على الإيجاز، الذي يبدو لي مقصودًا تمامًا حتى يُرضي كلَّ العقول والأمزجة السليمة مِن فَرْط غناه، وكلها يمكن أن تكونَ تفسيرات صحيحة؛ ذلك أنَّ الحقيقة ليس لها في العادَة وجهٌ واحد، بل وجوه متعدِّدة، وكل تفسير إنَّما يلتقط واحدًا أو أكثر مِن تلك الوجوه، والمفسِّر الذكي هو الذي لا يَرفُض التفسيراتِ الأخرى مبدأً، فقد تكون كلها أو بعضها سليمةً رغمَ ذلك، كذلك على المفسِّر المخلِص أنْ يفحص دائمًا أعماقَ نفسه؛ كي يتأكَّد أنه غير متأثر بأي عاملٍ خارجي لا علاقةَ له بالنصِّ أو بأسباب نزوله؛ حتى لا يفرض على النصِّ ما ليس فيه.

وكان علماؤنا القدامَى يشترطون في المفسِّر مثلًا صحَّة الاعتقاد، فإنَّ مَن كان مغموصًا عليه في دِينه لا يُؤتمن عندهم على الدُّنيا، فكيف على الدِّين؟! ولهذا كانوا يردُّون تفسيرَ المتهمِ بالإلحاد وأصحاب البِدَع. كذلك كانوا يشترطون صحةَ القصْدِ والإخلاص والزُّهد في الدنيا؛ أي: أن يكون عملُ المفسِّر خالصًا لوجه الله والعلم، لا لإرضاءِ هذه الجِهة أو تلك، كما حذَّروا مِن صاحب الهوى؛ لأنَّ المفسر إذا كان متهمًا بهوًى لم يُؤْمَن أن يَحملَه هواه على كلِّ ما يوافق بِدعتَه، ومعنى هذا أنَّه لا يَنبغي للمفسِّر الدخولُ على عملِه بفكرة مسبَقة يريد أن يفرضها على النصِّ فرْضًا، ومنه ما نلمسه في كتابات بارلس وأشباهها مِن أصحابِ النزعة النِّسويَّة وصاحباتها مِنْ تَعَمُّلٍ شديدٍ؛ بغيةَ إكراه النصِّ القرآني على موافقتهم فيما يؤمنون به ويَدْعُون إليه.

ويَستطيع القارئُ أن يراجع هذه الشروطَ كاملةً عند السيوطي في الفصل المسمَّى:"شروط المفسِّر وآدابه"مِن كتابه:"الإتقان في علوم القرآن"، كما حرَّم العلماءُ الجزمَ بأنَّ مراد الله هو كذا وكذا مِن غير برهان، أو محاولة تفسير الكتاب الكريم مع جَهْل المفسِّر بقواعدِ اللغة وأصول الشرع، أو تأييد بعضِ الأهواء بآياتٍ مِن القرآن زورًا وبهتانًا، أو صرف الآيات إلى ما لا يدلُّ عليه الكثيرُ مِن كلام العرب، مما فعلتْه لالة بختيار مثلما شاهدْنا بأعيننا قبل قليل (انظر في تلك الشروط د. صبحي الصالح"مباحث في علوم القرآن"، فصل"التفسير: نشأته وتطوره") .

أمَّا ما قالته د. أسما بارلس مِن أنَّ بين المستشرقين مَن يقول: إنَّ النص القرآني لم يكُن بنجوةٍ مِن التغيير: إمَّا مِن جانب النسَّاخ الذين قد يقعون في الخطأ عندَ نسخِهم النصَّ القرآني، وإما مِن جانب بعض المفسِّرين الذين قد يقومون بتصحيحِ أسلوب القرآن، وإما بسببِ الحاجات العمليَّة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت