فهرس الكتاب
تقول، وهو ما لا ترَى فيه، مثلما لا يرى فيه بعضُ المؤلِّفين الآخرين، بالضرورة شيئًا مِن التناقض، وإنْ ذكرتْ مع ذلك ما قاله عبدالوهاب بو هِديبة مِن أنَّه رغم أنَّ الآية القرآنية التي تقول: {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} [الرعد: 38] تُجوِّز فَهم القرآن فهمًا تاريخيًّا، فإنَّ المسلمين يصرُّون على عدم تاريخيَّة فَهم النص القرآني.
وتقول بارلس أيضًا: إنَّ القرآن، مَثَلُه في هذا مَثَلُ أي نصٍّ آخر، يَقبل قراءاتٍ مختلفةً ما دامت كلُّ آية من آياته تُفسَّر بعدَّة طرق متباينة، بل إنَّ آية"بسم الله الرحمن الرحيم"ذاتها، وهي موجودةٌ على رأس كلِّ سورة منه ما عدا سورة واحدة فقط، قد وردتْ بستِّ صُورٍ مختلفة. كذلك يقال: إنَّ صحابةَ الرسول كانوا يختلفون في تفسير بعض الآيات، وهو ما كان الرسولُ على عِلم به.
كما تُضيف مؤكِّدة أنَّ السمع البشري الجمعي (collective human hearing) لا يفرض ضروراتِ وعيه فقط على الوحي، بل على النصوص كلها بوجهٍ عام حسبما يقول بول ريكور، ومن هنا نراها تؤكِّد مع المؤكِّدين من علماء اللغة والنقَّاد الأوربيِّين أنَّ تفسير النصوص الدِّينيَّة مفتوح الباب أبدًا، وأنه لا يبلغ تمامه في يومٍ من الأيام.
وتسوق بارلس هنا سببًا لذلك في حالةِ النص القرآني، ألاَ وهو صعوبة قراءة هذا النصِّ على نحوٍ واحد؛ ذلك أنَّه إذا كانت هناك آيات يُجْمِع علماءُ المسلمين على تفسيرِها، فإنَّ هناك طائفةً ثانية مِن الآيات قد يتردَّد بعضُ المسلمين بشأنها رغمَ الانتهاء مِن تفسيرها، وطائفة ثالثة ليس هناك إجماعٌ على معناها، يُضاف إلى هذا أنَّ تفسير أي نصٍّ يخضع لعدَّة عواملَ، منها: البيئة والتربية، والثقافات والتحيزات المختلفة لا عند القرَّاء وحدَهم، بل لدَى المؤلِّفين أيضًا، زِدْ على ذلك ما يتمتَّع به النصُّ القرآني مِن ظِلالٍ وشِيَاتٍ، فضلًا عن وجودِ عِدَّة معانٍ للكلمة الواحدة في لُغة الضاد في كثيرٍ مِن الحالات قد يكون بعضها مناقضًا لبعض، بالإضافة إلى أنَّ هناك آياتٍ ناسخةً لآيات أخرى، ممَّا يفتح البابَ أمام العنصر الذاتي في كلِّ قراءة، وهذا كله مِن شأنه أنْ يدفعَنا إلى التساؤل عن السرِّ في أنَّ الآيات المتعلقة بحقوقِ المرأة تُفسَّر دائمًا على نحو ثابت لا يقبل التغيير، على أنَّها تعود فتؤكِّد أنَّ تَعدُّد التفسيرات ليس أمرًا مقصورًا على النصوص القرآنية، بل يمتدُّ إلى سائر النصوص الدِّينيَّة.
ولقد عُدْتُ إلى السياق الذي ورَد فيه قوله تعالى مِن سورة"الرعد": {لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ} ، وهو: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ * يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} الرعد: 38 -