فهرس الكتاب
اليهودُ والنصارى والصابئون إذا آمَنوا باللهِ واليومِ الآخِر؛ أي: آمنوا بمحمَّد ودخلوا مِن ثَم في زُمرةِ المؤمنين المذكورين على رأسِ الآية، وعمِلوا صالحًا، إنَّ هؤلاء وأولئك جميعًا لا خوفٌ عليهم ولا هُم يحزنون؛ لأنَّهم كلَّهم قدْ أصبحوا مؤمنين بالله واليوم الآخِر، وهو شرْط دُخولِ الجنة حيث ينالون أجرَهم، ولا خوفٌ عليهم ولا هُم يحزنون، وهذا الذي قلتُه هنا في سطورٍ قد قلتُه هناك في صفحاتٍ، وقد اعتمدتُ فيه، كما اعتمَد النسفي، على ما جاءَ عن نفس الموضوع في آياتِ القرآن المتباعِدة، فجمعتُها وبرهنتُ بها على صِحَّة ما قلتُه.
ولقدْ كانَ العُلماءُ المسلمون يشترطون فيمَن يُريد أن يفسِّر آيةً مِن الآيات، ضِمن ما يشترطونه عليه، أنْ ينظُر أولًا في آيات القرآن الكريم الأُخرى عن تفصيلِ ما يُمكن أن يكون في تلك الآية مِن إجمال أو بَسْطِ ما فيها مِن اختصارٍ مثلًا، جاء في"الإتقان"للسيوطي تحت عنوان"شروط المفسِّر وآدابه":"قال العلماءُ: مَن أراد تفسيرَ الكتاب العزيز طلَبَه أولًا مِن القرآن: فما أُجْمِل منه في مكانٍ فقد فُسِّر في موضعٍ آخَر، وما اخْتُصِر في مكانٍ فقد بُسِط في موضعٍ آخَر منه". فهذا، أيها القارئ، يُريك مدَى ما في كلام أسما بارلس مِن تجاوز في حقِّ مفسِّرينا القدماء.
ونصِل الآن إلى ما زعمتْه الكاتبةُ مِن أنَّ مَن يخلط بيْن القرآن وبين قراءاته (أى تفسيراته) إنما يتجاهَل ما تنهَى عنه الآية 18 في سورة"الزُّمَر"من الخلْط بين الأمرين، ولن أفعلَ شيئًا أكثر مِن إيراد الآية المذكورة والتي قبلها معًا؛ لأنهما كلٌّ واحد، قال تعالى: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 17 - 18] ، فأين في الآيتين، بالله عليك أيها القارئ، ما زعمتْه المؤلِّفة عن خلْط مفسِّرينا القدامى بين القرآن وتفاسيره؟ ألاَ ترَى معى أنها تَهْرِف بما لا تَعْرِف؟
وفى الفصل المسمَّى:"Texts and Textualities"تقول المؤلفة (ص 32 وما بعدها) : إنَّ أهمية القرآن بالنسبة إلى المرأةِ تكمُن في تصوُّر المسلمين أنَّ عدَم المساواة بينها وبين الرجل في التشريع إنما يستندُ إلى ما يقوله القرآن في هذا الصَّدَد رغم أنَّ هناك بَوْنًا شاسعًا بين تعاليم القرآن في هذا الموضوع وبيْن الحُكم الفِقهى.
ثم تَنقُل عن أحدِ الكتَّاب المسلمين قوله: إنَّ النصَّ القرآني غير قابِل للتعديل بخلافِ تفسيره، الذي لا يقِف في تعدُّده عندَ حدٍّ، وإنَّ هذه التفسيراتِ التي تتَّصف بعدَمِ الدقَّة وبالنقصان، هي التي تَقبل الخطأ والانتقاد والنسبة إلى التاريخ، وليس النصَّ الإلهى ذاته، ومَع ذلك فإنَّ المسلمين، رغمَ فَهمهم للقرآن داخل نِطاق التاريخ، نراهم يضعونه في ذات الوقت فوقَ التاريخيَّة كما