فهرس الكتاب
قولُه: {لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ} [المائدة: 41] ، {وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى} ، قال سِيبويهِ وجميعُ البصريِّين: ارْتَفع"الصابِئون"بالابتداءِ، وخبرُه محذوف، والنيةُ به التأخيرُ عمَّا في حيِّز"إنَّ"مِن اسمِها وخبرِها، كأنَّه قيل: إنَّ الذين آمنوا والذين هادوا والنَّصارَى"مَن آمن باللَّهِ واليومِ الآخر وعمِل صالحًا فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون"، والصابِئونَ كذلك؛ أي: مَن آمَن بالله واليوم الآخِر فلا خوفَ عليهم، فقدَّم وحذف الخبر كقوله:
فَمَنْ يُكُ أَمْسَى بِالمَدِينةِ رَحْلُهُ = فَإِنِّي وَقيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ
أي:"فإنِّي لغريبٌ، وقيارٌ كذلك"، ودَلَّ اللامُ على أنَّه خبر"إن"، ولا يَرتفِع بالعطفِ على محلِّ"إن"واسمها؛ لأنَّ ذا لا يصحُّ قبلَ الفراغ مِن الخبر، لا تقول:"إنَّ زيدًا وعمرٌو منطلقان"، وإنما يجوز"إنَّ زيدًا منطلقٌ وعمرٌو"، و"الصابئون"مع خبرِه المحذوف جملةٌ معطوفةٌ على جُملة قوله:"إنَّ الذين آمَنوا"إلى آخِرِه، ولا محلَّ لها كما لا محلَّ للتي عُطِفت عليها. وفائدةُ التقديمِ التنبيهُ على أنَّ الصابئين، وهم أبينُ هؤلاء المعدودين ضلالةً وأشدُّهم غيًّا، يُتاب عليهم إنْ صحَّ منهم الإيمان، فما الظنُّ بغيرهم؟!
ومحل {مَنْ آمَنَ} الرَّفْعُ على الابتداءِ، وخبرُه: {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} ، والفاء لتضمن المبتدأِ معنَى الشَّرْط، ثُم الجُملة كما هي خبر"إنّ". والراجِع إلى اسم"إنّ"محذوفٌ تقديرُه: {مَنْ آمَنَ مِنْهُم} ، هذا، وبين"البقرة"و"المائدة"خُمْس القرآن، وهو ليس بالشيءِ القليل، كما أنَّ النسفيَّ قد غاصَ لدُنْ تفسيره لآية"المائدة"في إعرابٍ مُرهِق لكلِّ كلمة، بل لكلِّ حرفٍ فيها، وهو ما مِن شأنه أن يُنسِيَه الموضوعَ الذي تدور عليه الآيتان، ومع هذا لم ينسَ النسفيُّ ما قاله في الآيةِ الأولى ولا ما قالَه القرآنُ في ذاتِ الموضوعِ في غيرِ هذين الموضعَينِ ولا الاتِّجاه العام للقرآنِ الذي يَشترط للنجاةِ يومَ القيامة الإيمانَ بمُحمَّدٍ وكتابِه واليومِ الآخِرِ وعملَ الصالحات.
وبالمناسبة فإنَّ لي تفسيرًا آخَرَ مخالفًا لما قاله ذلك المفسِّر الكبير بثثتُه في عددٍ مِن كتبي ودِراساتي الورقية والضوئيَّة: لا أُخالفه فيه مِن جِهة الرأي الذي انطلق منه، فكِلانا يؤمِن أنَّه لا يدخُلُ الجنةَ إلا مَن يُؤمِن بالله وبالنبيِّ محمَّد - صلى الله عليه وسلم - ويعمل صالحًا، ولكن مِن جهة الطريقة التي فسَّر بها قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا} في الآيتين؛ إذ أجريتُها فيه على أنَّهم مؤمِنون صادِقون كما يَقتضي منطوقُ الآية، فاصلًا بين {الَّذِينَ آمَنُوا} وبقيَّة الطوائف المذكورة بفاصلةٍ بحيث يكون قوله تعالى: {مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ} بدلًا مِن تلك الطوائفِ الأخرى التي لا تُؤمِنُ بالله ولا باليومِ الآخِر حسبَ مفهوم القرآن للإيمان، ويكون المعنى حينئذٍ: إن الذين آمنوا، وكذلك