الصفحة 51 من 138

كالبشر سواء بسواء، مفسّرَيْن حَشْرها في موضعٍ مِن القرآن بهذا المعنَى، على حين يقولانِ في موضعٍ آخَر: إنَّ حشرَها هو مجرَّد جمعها، ثم إماتتها بعدَ ذلك، وهو ما تَعرَّضتُ له في الفصلين الخاصَّين بتفسيرَيْ هذين العالمين الجليلَين من كتابي:"مِن الطبري إلى سيِّد قطب - دراسة في مناهج التفسير ومذاهبه"، لكني إنَّما أتكلَّمُ على القاعدة العامَّة، ومعروف أنَّه ما مِن قاعدةٍ إلاَّ ولها استثناءاتها، ولا ننسَ أنَّ هؤلاءِ المفسِّرين لم يأتوا مِن عُرْض الطريقِ، بل هُم علماء أفذاذ، الواحدُ منهم بعشراتٍ مِن مثل أسما بارلس رغمَ كلِّ الطنطنات التي تُطنطن بها عنِ المناهج الحديثة في تأويل النصوص وترجمتها؛ إذ هي أفكارٌ منقولةٌ عنِ الآخرين، وكلُّ دَورِها فيها هو التطبيقُ، وهو تطبيقٌ آليٌّ يَفتقِرُ إلى الحاسَّة النقديَّة كما أشرتُ في هذا البحْث، ودعْكَ مِن الإبداعِ أو الإضافَةِ.

وتمثيلًا لما أقول أنقُل هنا ما كتَبَه النسفيُّ في"مدارك التنزيل وحقائقِ التأويل"تفسيرًا لقوله - تعالى: في الآية 62 مِن سورة"البقرة": {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 62] ؛ إذ فسَّرها على النحوِ التالي:"... {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} بألسنتهم من غير مواطأةِ القلوب، وهم المنافقون، {وَالَّذِينَ هَادُوا} : تَهوَّدوا. يُقال:"هاد يهود وتهوَّد"إذا دَخَل في اليهوديَّة، وهو هائدٌ، والجمع: هُود. {وَالنَّصَارَى} جمْع"نَصْرَان"كـ"نَدْمان ونَدَامَى"، يقال: رجل نصران وامرأةٌ نصرانة، والياء في"نصرانيّ"للمبالَغة كالتي في"أحمري". سُمُّوا:"نَصارَى"؛ لأنَّهم نَصَروا المسيح، {وَالصَّابِئِينَ} : الخارجين مِن دِينٍ مشهورٍ إلى غيرِه، مِن"صَبَأَ"إذا خرَج مِن الدِّين، وهم قوم عَدَلُوا عن دِينِ اليهوديَّة والنصرانيَّة وعبَدوا الملائكةَ، وقيل: هم يَقرَؤُون الزَّبُور."

{مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} مِن هؤلاءِ الكَفرةِ إيمانًا خالصًا {وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} : ثوابُهم، {عِنْدَ رَبِّهِمْ} في الآخِرة، {وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} ". ومحلّ {مَنْ آمَنَ} الرَّفْعُ إنْ جعلتَه مبتدأً خبرُه: {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ} ، والنَّصْب إنْ جعلتَه بدلًا مِن اسمِ"إنَّ"والمعطوف عليه، فخبر {إنَّ} في الوجهِ الأَوَّلِ الجملةُ كما هِي، وفي الثاني {فَلَهُمْ} ، والفاء لتضمن {مَنْ} معْنَى الشرْط".

وهو نفسه ما قاله في تفسير الآية 69 مِن سورة"المائدة"، ونصها: {إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [المائدة: 69] ، إذ قال: {إنَّ الَّذين آمَنُوا} بألسنتِهم، وهُم المنافقون، ودلَّ عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت