فهرس الكتاب
التلميذُ في ذلك الزمانِ كما هو معلومٌ، وعلى هذا فقدْ كان القرآنُ كلُّه ماثلًا في ذاكرتِهم طولَ الوقتِ أمامَ باصرتِهم بحيثُ إنَّهم، حين يَتناولون آيةً منه بالتفسير، تكون الآياتُ الأخرى المتعلِّقة بذاتِ الموضوع حاضرةً في أذهانِهم، وكثيرًا ما تقرأ عندَ الواحد منهم أنَّه قد سبَق أن تناولَ هذا الموضوعَ مِن قبل عندَ تعرُّضه للآية الفلانية أو أنَّه سوف يتناولُه فيما يَلي عندَ تَعرُّضه للآيةِ العلاَّنية بما يدلُّ على أنَّه حاضرُ الذِّهنِ طولَ الوقت. كما أنَّ كلَّ صاحب مذهبٍ إذا مرَّ بآية تتعلَّق بمذهبه نجدُه يفسِّرها في ضوءِ مبادئ ذلك المذهب ولا يَغفُل عن هذا المنهج عادَةً، بغضِّ النظر عن مُوافقتِنا على مذهبِه أو لا، فهذا شيءٌ آخَر، وهناك كتُبٌ تتعرَّض للتوفيق بيْن الآياتِ التي تبدو وكأنَّها متناقضةٌ، فما معنى هذا؟ معناه أنَّهم لم تكُن تستغرقهم الآيةُ التي بيْن أيديهم، بل كانوا يَنظُرون إلى القرآنِ نظرةً شاملةً محيطة، وإلا فكيفَ عرَفوا أنَّ هذه الآية تَبدُو وكأنَّها تُعارِض تلكَ الآيةَ وأنَّ حَلَّ هذا التعارضِ يكون بكذا وكذا؟
وقدْ لَمَس د. أحمد أمين مثلًا هذه النقطة في حديثه عنِ الزمخشري ومنهجه في تفسيرِ كتاب الله الكريم طبقًا لمذهبه في الاعتزال؛ إذ قال: إنَّه كان يُؤوِّل كلَّ الآيات التي تتَّصل بأصولِ الاعتزال الخمسة كحريَّة الإرادة الإنسانيَّة، ووجوب العدل، وتحقيق الوعد والوعيد، ووَحْدة الذات والصفات ... إلخ، حتى تلتئم ومذهبَه، جاعلًا مِفتاحَه قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7] ، فالآياتُ المُحكَمةُ هي آياتُ الأصولِ الواضِحة المعنى مِثل قوله تعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ} [الأنعام: 103] ، فإذا جاءتْ آية أو آيات تدلُّ على خلافِ ذلك وجَبَ أن تُؤوَّل، فالنظرُ إلى الله مثلًا في قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22 - 23] ، معناه أنَّ المؤمنينَ سوف يَحظَوْنَ برِضا اللهِ ويَنتظرون حُصولَ النِّعمةِ الإلهيَّة لهم، لا أنَّهم سوف يَرَوْنه فعلًا كما تقول الآية؛ إذ رؤيةُ اللهِ عندَهم مستحيلةٌ في الدُّنيا والآخِرة ... وهكذا (انظر د. أحمد أمين/ ظُهْر الإسلام/ مكتبة النهضة المصرية/ 1952 م/ 2/ 41 - 42) ، وفوق هذا فثَمَّة كتُبٌ أخرى يتناول كلٌّ منها موضوعًا واحدًا في القرآنِ الكريم ككتاب"القَسَم في القرآن"لابن القيِّم مثلًا، مما يستلزم تجميعَ الآيات التي تتناول الجوانبَ المختلفة للموضوعِ الواحد في موضعٍ واحِد.
على أنَّ هذا لا يَعني أنَّهم لا يَسْهُون أبدًا، إذ هُم في نهايةِ المطافِ بشَر، والبشَر سَهَّاؤون نَسَّاؤون بطبيعةِ الحال، ومِن ذلك ما لاحظتُه في تفسيرِ الطبريِّ والزمخشريِّ مِن أنَّهما في موضعٍ مِن كتابيهما قدْ قالا بحسابِ الحيوانات، أي وقوفها للمساءَلة والحسابِ، فالثوابُ أو العِقاب