الصفحة 49 من 138

ثم بالتطبيقِ السليم له، لكن يبدو لي أنَّ السيِّدة بارلَس تتصوَّر أنَّ الجديدَ دائمًا على حقٍّ، كذلك لا يَنبغي أن نُغفلَ شيئًا مهمًّا، وهو أنها تُطبِّق المناهجَ الحديثة تطبيقًا آليًّا؛ اعتقادًا منها - فيما يظهر - أنَّها مناهجُ لا يخرُّ منها الماء، وهو ما آخُذ علَى عاتِقي في هذه الدِّراسةِ شرْحَه وتوضيحَه كما يرَى القارئ.

وأمَّا دعواها أنَّ مفسِّرينا الفطاحِلَ القدماءَ قدْ مزَّقوا القرآن؛ إذ فسَّروه تفسيرًا تجزيئيًّا فتناولوه آيةً آية، أو تناولوا بالتفسيرِ عِدَّة آياتٍ متتابعة على أكثرِ تقدير، بدلًا مِن تجميعهم معًا كلَّ طائفةٍ مِن الآيات التي تُعالِج موضوعًا واحدًا؛ كي يتسنَّى معرفة رأي القرآنِ الكريم في ذلِك الموضوع بكلِّ جوانبه بدلًا مِن تشتُّت الذِّهن بيْن الآياتِ المختلِفة التي تتعامَل كلٌّ منها عادةً مع جانبٍ واحدٍ مِن ذلك الموضوعِ، فلا نستطيع مِن ثَمَّ أن نلمَّ برأيِ القرآن الكامِل فيه، وهو ما تَناولتْه أيضًا في الفصل الذي كتبتْه لـ"The Cambridge Companion to the Quran: دليل كمبردج إلى القرآن"، إذ قالت ما نصُّه:"These exegetes، it is argued، adopted a 'linear-atomistic' approach in which they studied 'one or a few verses ... in isolation from the preceding and following verses'. As a result، they failed to recognise the Quran's thematic and structural coherence"، أمَّا زعمها هذا فلا يقومُ على أساسٍ متين؛ كيف؟ أولًا: إذا ما جرَيْنا على طريقةِ السيِّدة بارلَس في النظر إلى الأشياءِ وجَب أن نقول: إنَّ أولئك المفسِّرين المساكين الذين لا يُعجبونها لم يكونوا يتناولون القرآنَ آيةً آية في الواقِع، بل كلمةً كلمةً، وعبارةً عبارة؛ لأنَّه ما مِن آية يُمكن تناولُها دفعةً واحدةً إلاَّ في النادر الشاذ الذي لا حُكمَ له، كما أنَّهم - لدُن تناولهم لتفسيرِ القرآن بهذه الطريقةِ - إنَّما يتَّبعون منهجًا مِن مناهجِ شرْح النصوص، منهجًا مهمًّا في غايةِ الأهميَّة لا يُغني غيره غناءَه، وإنْ كانت تُكَمِّله مناهجُ أخرى بطبيعةِ الحال، إلا أنَّه هو المنهج الذي يَنبغي أن نبدأَ به قَبل اللجوءِ إلى تلك المناهِج الأُخرى؛ إذ هي كلُّها تَنطلِق منه. فنَحن لا يُمكننا الوصولُ إلى الطابق الأخير إلاَّ إذا مرَرْنا بالطابقِ الأوَّل والثاني والثالث ... إلخ؛ أليس كذلك؟ وعلى هذا فليسَ باستطاعتِنا تناول القرآن إجمالًا قبلَ تناوله تجزئةً، أو كما تقول هي: تناولًا ذَرِيًّا.

ليس ذلك فحسبُ، بل إنَّ هؤلاءِ العُلماءَ الأفذاذ الذين لا يُعجِبون د. بارلس لم يكونوا يُقْدِمون على الاقتراب مِن القُرآنِ إلاَّ وهم قدْ حفِظوه مثلمَا كان يَفعل كثيرٌ مِن الناسِ في العالَم الإسلامي آنذاك؛ إذ كان حِفظُ القرآن وتفسيرُه جزءًا أساسيًّا مِن المقرَّرات التعليميَّة التي يتلقَّاها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت