الصفحة 48 من 138

نقول: إنَّ هذا غيرُ صحيح، فها هي ذِي كتُب تفسير الشوكاني والألوسي، ومحمَّد فريد وجدي والمراغي، والشنقيطي وحجازي، وابن عاشور وسيد قطب، والشيخ شلتوت وبنت الشاطئ، وابن عثيمين ووهبة الزحيلي، وأبو بكر الجزائري والسعدي ومحمد الغزالي، تحظَى بإقبالٍ واحترامٍ شديدَينِ، ولا يجدُ القرُّاءُ المسلمون في نفوسِهم شيئًا مِن ناحيتها رغمَ أنَّ كثيرًا منها يخالف ما في الكتُب التقليديَّة أو يختلف عنها على الأقل؛ فكيف قالت بارلَس ما قالتْه؟!

أغلبُ الظنِّ أنَّها تخلِط بيْن موقِف القرَّاءِ المسلمين تُجاهَ ما تكتُبه هي ونظيراتها ونظرائها مِن ذوي النَّزعة النسويَّة المعادية للرَّجُل ممَّن يلوون كلامَ القرآن عن معانيه وبيْن التفسيرات الحديثة والمعاصِرة، ومع ذلك فها أنذا، ولستُ سِوى مجرَّد مثال، لا أرفُض كلَّ ما تكتبه هي، بل أزِنه جيدًا في مقابلِ ما يقوله القرآنُ والرَّسولُ فأَقْبَل بعضَه وأُنْكِر بعضَه وأُخطِّئه؛ فهل أنا يا لهمدانَ ظالِم؟ أمْ تراها تعدُّ نفسَها فوق النقد، وما تكتبه معصومًا مِن الخطأ يَنبغي أنْ يُقابَل بالتسليمِ المطلَق فنخرَّ عليه عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا؟ بل إنَّني لا أقبل كلَّ ما قالتْه كتُبُ التفسيرِ القديمة وأختلف مع كثيرٍ منه، ومَن يرجع إلى الكتُب التي وضعتُها في تفسير سور"المائدة"و"التوبة"و"الرعد"و"يوسف"و"طه"و"النجم"و"الرحمن"، وكذلك الكتابين اللَّذين تناولتُ فيهما مناهجَ التفسير ومذاهبَه في القديم والحديث، فلسوف يجِد أنَّني طوالَ الوقت أُعْمِلُ جهازي النقديَّ فلا أتوقَّف أمامَ قديم أو جديد، ولا أحابي أو أَظلِم اتجاهًا لمصلحةِ أيِّ اتجاه آخَر، وهذا ما يفعله أمثالي بوجهٍ عام، وإنْ كان هناك في ذات الوقت مَن ينقُل عنِ الكتب الأخرى قديمة أو جديدة ولا يُضيف مِن عنده شيئًا، وهذا أمر طبيعي، فالعقولُ متفاوتة، والأنظارُ مختلفة، وسُوقُ التفسيرِ وتأريخِه مشحونةٌ بالبضاعة الفكريَّة مِن كلِّ لون ومذاق.

أمَّا قولها: إنَّ تفسيرَها للقرآنِ تقليديٌّ وجديد في ذات الوقت: تقليديٌّ من حيثُ إنَّه ينطلق كما هو الحال عندَ بعض المفسِّرين الكلاسيكيِّين مِن أنَّ القرآن كتاب يُسوِّي بيْن الرجل والمرأة، وجديدٌ مِن حيث إنَّها تستخدم المناهجَ الجديدةَ في قِراءة بعضِ القضايا التي لم يحاولِ المفسِّرون الكلاسيكيُّون أن يتناولوها، أمَّا قولها هذا فيحتاجُ إلى وقفةٍ صغيرة تضَع الأمورَ في نِصابها حتى لا يحدُث خلْطٌ، فتأكيدُها بأنَّ القرآن يسوِّي بين الرجل والمرأة، وإنْ كان في عمومه صحيحًا لا مماراةَ فيه، هو تأكيدٌ يتجاهل رغمَ ذلك ما قاله القرآنُ ذاته مِن أنَّ الرِّجالَ قوَّامون على النِّساء، وأنَّ لهم عليهنَّ درجةً، أم تراها تُريدُ أن تُنكِر هذا النصَّ الواضِح الصَّريح؟ كما أنَّ إشارتها إلى استخدامِها المناهجَ الحديثةَ في تفسيرها للقرآن لا تَحسِم الأمرَ لصالحِها بالضرورةِ، إذ ليستْ العِبرةُ باتِّباع هذا المنهجِ أو ذاك، بل العِبرةُ كلُّ العبرةِ بالتحقُّق أولًا مِن صحَّته ووفائه بالمطلوب،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت