الصفحة 47 من 138

التفاسيرُ والرواياتُ الحديثيَّة هي المسؤولةُ في الواقِع عنِ الْتِصاق النظرةِ التحقيريَّة للنِّساء بالإسلامِ حسبما تقول، وبهذا انتصرتْ في رأيها النصوصُ البشريةُ المستقاةُ مِن التاريخ والبيئة والمتأثِّرة بهما على نصوصِ الوحي المقدَّسة.

وبالمِثل انتصرتْ رغباتُ الرِّجالِ وحاجاتهم ورُؤاهم على رُؤى النِّساءِ وحاجاتهنَّ وتجاربهنَّ، ورغم ذلك فمِن المعروفِ أنَّ النساءَ في السنواتِ الأولى مِن تاريخِ الإسلام قدْ شاركْنَ - كما تقول الكاتبة - في إنتاجِ المعرفة الدينيَّة، فكانَ نساءُ عصر النبوَّة مثلًا يبدينَ رأيهنَّ بوضوحٍ في أمورِ الدِّين، بلْ في آياتِ القرآن ذاتِه، وكان اللهُ ورسولُه سرعانَ ما يَستجيبانِ لما يقُلْنَ مبارِكَيْنِ حريتهنَّ في التعبير عمَّا يدور في أذهانهنَّ.

فمن اللازم إذًا مراجعةُ التاريخ لمعرفة ما الذي حصَل عبرَ القرون ممَّا كانتْ ثمرتُه استبعادَ النِّساءِ مِن ميدانِ التفسيرِ (ص: 9 - 10) .

وهنا نراها تُقرِّر أنَّ مَن يَخلِط بيْن القرآنِ وبيْن قِراءاته (أى تفسيراته) ، إنَّما يَتجاهَل ما تَنهَى عنه الآيةُ 18 من سورة رقْم 39 (سورة الزُّمَر) مِن الخَلْطِ بيْن الأمْرينِ (ص 10) ، وهو ما لا وجودَ له في الآيةِ المذكورةِ كما سنبيِّن لاحقًا، وتَمضي بارلَس فتقول: إنَّ المحافظين المسلمين يَرونَ أنَّ التفسيرَ الصحيحَ للقرآن الكريم مُتاحٌ فقطْ في بعضِ كتُب التفسير القديمة، التي يَعدُّونها تفاسيرَ معصومةً، أمَّا التفاسيرُ الحديثة والمعاصِرة، وبالذاتِ تلك التي كتبتْها أقلامٌ نسائيَّة، فهي مرفوضةٌ في نظرِهم، ثم تُضيف قائلةً: إنَّ تَفسيرَها للقرآنِ تقليديٌّ وجديد في ذاتِ الوقت: تقليديٌّ مِن حيثُ إنَّه يَنطلِقُ كما هو الحالُ عندَ بعض المفسِّرين الكلاسيكيِّين من أنَّ القرآنَ كتابٌ يسوِّي بيْن الرَّجل والمرأة، وجديدٌ مِن حيث إنَّها تستخدمَ المناهجَ الحديثةَ في قِراءة بعض القضايا التي لم يحاولِ المفسِّرون الكلاسيكيُّون أن يتناولوها، ثم بعدَ ذلك نراها تؤكِّد أنَّ القراءاتِ الجديدةَ للقرآن تواجه خطرَ الرفضِ منذُ البدايةِ مِن عدَّة طوائف: المسلمين المحافظين، والمستشرقين الذين لا يُريدون أنْ يَتزحزحوا عن مواقفِهم القديمةِ مِن القرآن، وأصحابِ النَّزعةِ النِّسويَّة، وكثير أيضًا ممَّن ليسوا بمسلِمين، ومع هذا فهي تصرُّ على استعمالِ المناهجِ الجديدة؛ لأنَّ القرآن - حسبما تقول - لا يَنحِصر في زمانٍ أو مكانٍ أو سِياقٍ بعَينِه.

هذا ما قالتْه بارلَس، ونبدأُ بآخِرِ ما تناولتْه، وهو ما ذَكرتْه عن عالميةِ القرآن، التي رَأيناها هي نفسها أوَّل مَن يتنكَّر لها؛ إذ رمتْ بعضَ أحكامِه بأنَّها راعتْ ظروفَ المجتمع العربي في القرن السابِع، وبقيتْ كما هي حتى الآن لم تُنْسَخ، ثم ننتقِل ثانيًا إلى ما زعمتْه مِن رفضِ بعض المسلمين للتفاسيرِ الحديثةِ والمعاصِرة، وبخاصَّة ما كان مكتوبًا منها بأقلامٍ نسائيَّة، وعلى الفور

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت