فهرس الكتاب
إرهاقٍ طوالَ مدَّة الحمْل، وألم بالِغ لدُنِ الوضعِ، فمِن أين تأتي المأساةُ إذًا إذَا لم يكُن أيٌّ مِن الرجل أو المرأة ينظُر إلى الأمر على أنَّه مأساة؟! ومثل ذلك أيضًا القولُ بأنَّ المرأة عبءٌ على الحضارةِ فائضةٌ عنها ليستْ لها وظيفةٌ بها؛ ذلك أنَّ الحياةَ لا تَكتمِل إلاَّ بالمرأةِ والرجل معًا، ترى كيف تهنأُ الحياةُ للرَّجل إذا خلَتِ الحياةُ مِن المرأة؟ اللهمَّ إنَّ هذا لخبلٌ في العقلِ والنَّفْس والضمير.
إلاَّ أنَّ هذا كله كوم، وإشارتها إلى ما جاءَ في سورة"النساء"مِن قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} [النساء: 34] ، على أساسِ أنَّه قدْ"قيل" (بصِيغة المبني للمجهول) ، لا أنَّه قد"قاله القرآن" (بصيغة المبني للمعلوم) هو كومٌ آخَر، وهذا خطأٌ مِنها غير هيِّن؛ إذ لا يصحُّ تجهيل الفِعل الإلهي بما يُومِئ إلى أنَّ صاحبه مجهولٌ وأنَّه أمر غير متيقَّن منه؛ ترى هل يَليق أن يجترئَ مسلمٌ على المقام الإلهي الكريم ويُشكِّك في نصٍّ قرآني بمِثل تلك الطريقة؟!
ثم تَتابع بارلَس قائلةً: إنَّ النقَّاد المحدَثين يأخُذون على المفسِّرين القُدماءِ عدَمَ نظرتِهم إلى النصِّ القرآني كوحدةٍ مركَّبة وإهمالهم الظروفَ التاريخيَّة التي نزَل فيها، وأنَّهم على العكسِ مِن ذلك كانوا يقومون بتفسيرِه تفسيرًا تجزيئيًّا؛ أي: تفسيره آيةً آيَة، أو تفسير عِدَّة آياتٍ متتابعة على أكثرِ تقدير، دون أن يأخذوا في الاعتبارِ أبدًا أو في معظمِ الأحوال ما نزَل مِن آياتٍ مختلفة في الموضوع الواحِد، بحيث تُرَاعَى جوانبُ الموضوع كلُّها لدُنْ محاولة معرفة ما قاله القرآنُ بشأنه، وتنقُل بارْلَس عن أمينة ودود أنَّهم - حتى في المواضِع التي يُشيرون فيها إلى بعضِ الآيات الأخرى - لم يَتَّبعوا منهجًا تفسيريًّا يساعِدُهم على النظرِ إلى الموضوعِ مِن زَواياه المختلفةِ، بحيث يربطون بيْن الموضوعاتِ والتراكيبِ والمبادِئ والأحكام المتَّصلة بعْضها ببعضٍ؛ كي يخرجوا برؤيةٍ شاملةٍ لذلك الموضوع، ومِن ثَمَّ لم يَستطيعوا الوصولَ إلى موقفِ القرآن المعرفيِّ المناهِض للأبويَّة (antipatriarchal epistemology) (ص 8) .
ثم تُؤكِّد عن حقٍّ أنَّ القرآن هو في الواقِع كلٌّ متكامِل، وإنْ كان قد نزل شيئًا فشيئًا مع الأيَّام ولم ينزلْ كاملًا دفعةً واحدةً، إلا أنَّها تُضيف إلى ذلك قولَها: إنَّ التفسيرَ التقليديَّ يتجاهل هذه الحقيقةَ، كما يتجاهل السياقَ الذي نزل فيه كلُّ نص من نصوص الوحي، ومِن هنا لم يستطعْ هذا التفسيرُ - في نظرها - أن يتوصَّل إلى المغزَى العميقِ للقرآن المجيد (ص 8 - 9) .
ثم تَمضي قائلةً: إننا - لكي نصلَ إلى التفسير الصحيح - لا بدَّ أن نتنبهَ إلى السياقين جميعًا: السياق الذي تَمَّ فيه نزولُ الآيات، والسِّياق الذي تَمَّ فيه تفسيرُ تلك الآيات، وقدْ كانتِ التفاسيرُ القديمةُ والأحاديثُ التي تُصوِّر حياةَ الرسول تنطلِقُ مِن تقليلِ شأن النِّساء، وهذه