الصفحة 45 من 138

أمَّا إذا فسَّر بعضُ العلماءِ الضِّلَعَ في الحديثِ الشريفِ الذي يقول: (( استوصُوا بالنِّساءِ؛ فإنَّ المرأةَ خُلِقَتْ مِن ضِلَع، وإنْ أعوجَ شيءٍ في الضِّلَع أعلاه، فإن ذَهَبْتَ تُقيمُه كَسَرْتَه، وإنْ تَرَكْتَه لم يزلْ أعوج، فاستوصوا بالنِّساءِ ) )بأنه ضِلَع آدم، فجوابنا هو أنَّ الحديثَ يخلو تمامًا مِن أيِّ ذِكر أو إشارة إلى أنَّ الضِّلَع هو ضِلَع آدم، أمَّا أنا فأفهم الحديثَ على أنَّه تصويرٌ مجازي لغَلبة عواطفِ المرأةِ عليها، فهي تَنفعِلُ وتتحكَّم فيها عواطفُها أكثرَ ممَّا هو حالُ الرَّجُل، وهذا هو اعوجاجُ الضِّلَع الذي تَحدَّث عنه الرَّسول، وما أحلاه في بعضِ الأحيانِ مِن اعوجاجٍ، وأَسْوَأَه وأَذْهَبَه للُبِّ الحليم كذلك في بعضِ الأحيان الأخرى!

وإذا كان لنا مِن ملاحظةٍ عارضةٍ هنا، فنحبُّ أن نقول: إنَّ الكلامَ الذي ناقشْناه فيما مضَى ليس كلامَ بارلس وحْدَها، بلْ كلام النِّسويات كلهنَّ، ففي مقال بعنوان"Feminist A Qur'an-only"يردُّ به ش. ج. ف. حداد (Sh. G. F. Haddad) على رفعتْ حسن الباكستانيَّة، نراه يذكُر كلَّ هذه الشُّبهاتِ والاتِّهامات بوصفِها شبهاتِها واتهاماتِها هي لا شُبهاتِ بارْلَس واتهاماتها، وكأنَّها برشامةُ غشٍّ يتناقلها الطلاَّبُ الكسالَى فيما بينهم، ويَنقُلون ما فيها إلى كراريسِ إجاباتِهم كما هي دون تفكيرٍ، بل دون إعادةِ صياغة.

ثم نأتي إلى ما نَسَبَتْه السيدةُ أسْما بارلس إلى أبي الأعلى المودوديِّ مِن القول بأنَّ الحمل والولادة هما مأساةُ المرأة البيولوجيَّة؛ فهل قال المودودي ذلك فعلًا؟ لقدْ نقلتْه المؤلِّفة عن كتابٍ وسيط، ولم تذكُرْ لنا أين نجِد ذلك الكلامَ في مؤلَّفات المودودي، وبغضِّ النظر عمَّن هو صاحب هذه العبارة، فلا ريبَ أنَّها تفتقر إلى المصداقيةِ إذا أخذْناها على ظاهرِها؛ إذِ الحملُ والولادة ليسَا ولا يُمكن أن يكونَا مأساةً بحالٍ مِن الأحوال، بل سببًا عظيمًا مِن أسبابِ السعادةِ والرِّضا عن الحياة، ترى هل يصحُّ أن نقول عن عمليةِ تجدُّد الحياة: إنَّها مأساة؟! الحق أنَّه إذا كانتْ هذه مأساةً فلا شكَّ أنَّ بعضَ هذه المأساة يرجِع إلى الرجل، الذي ما إنْ تَقَع عينُه على النِّصْف الحلو حتى يَسيلَ لعابُه، وتزيغ عيناه، ويشتَّ عقلُه، وتفسدَ أعصابُه ... إلخ، أما إذا قَصَد صاحبُ هذه العبارة، أيًّا ما كانتْ شخصيته، معنًى آخَرَ غير الذي فَهِمناه، فذلك شأنٌ آخَرُ؛ إذِ السياق مهم جدًّا، وللأسَف لم تُوضِّح لنا السيدةُ بارلَس السِّياق الذي وردتْ فيه العبارةُ، مثلَما لم توضِّحْ لنا أينَ نَجِدُها.

ترَى باللهِ كيف يُقال عن أبنائِنا وبناتِنا وأحفادِنا وحفيداتِنا: إنَّهم ثمرةُ تلك المأساة؟ ألاَ إنَّ هذا لَكُفْرٌ بأَنْعُم الله يُخْشَى معه زوالُها، نعوذُ باللهِ مِن الكُفْر والجُحود! ثم إنَّ المرأةَ ذاتها لا ترَى في هذا مأساةً على الإطلاق، بل تَنتظره بلهفةٍ وشوقٍ بكلِّ خلجةٍ في كيانِها رغمَ ما تشعُر به مِن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت