فهرس الكتاب
إلا أنَّ هذا كلَّه، وغيره كثيرٌ، لا يَعني ألاَّ يكون هناك رئيسٌ للأُسرة، ولقدْ أعْطَى الإسلامُ للرجل هذه الرِّئاسةَ (أو فلنقل: القوامة) رَغمَ التسوية التي ذكَرْناها بيْن الجِنسين، وليستْ هناك مؤسَّسة في الدُّنيا قديمًا أو حديثًا إلاَّ ولها رَئيس: بدءًا من جمْع القُمامة، ومرورًا باللصوصيَّة والشحَّاذين، وارْتفاعًا إلى المدرسةِ وقِسم الشرطة، ووصولًا إلى حُكم الدولة وأمانة الأُمم المتحدة، ولدَينا الكون نفْسه، وله خالِقه الذي يسيطر عليه ويوجِّهه ويحاسب المخطئ ويُثيب المحسن ... إلخ، ولقد قال القرآن: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228] ، وهذا ما نؤمِن به، وإنْ لم يَعنِ هذا أنَّ كلاًّ مِن الجنسين ينتمي إلى عالَم مختلِف عن عالم الآخَر، بل هما كِلاهما من نفْس واحِدة، مَع إسناد القوامة للرَّجل.
قد يقال: إنَّ الرَّجُلَ والمرأة متساويان، فلِمَ إذًا تكون القوامة للرَّجل دون المرأة؟ لكن هلْ يمكن أن نتجاهَلَ ما يتفوَّق به الرَّجُل على شَريكةِ حياتِه ونِصفها الحلو مِن الناحية العضليَّة على الأقل، إضافةً إلى ما تتعرَّض له المرأة على الضِّفَّة الأخرى مِن متاعِبِ الحَيض والحمل، والولادة والرضاعة، ممَّا يُرهقها ويستنزف طاقتَها في الوقت الذي لا يُقاسي الرجل شيئًا مِن ذلك البَتَّة؟ أم هناك مَن يُجادِل في هذا؟ فإذا افترضْنا أنَّ الرَّجل والمرأة مُتشابِهان تمامَ التشابُه بحيث لا يوجد أدْنَى فرْق بينهما مِن ناحيةِ المواهِب التي وهبَهما الله إيَّاها، اللهمَّ إلاَّ في الناحية العضليَّة كما قلنا، أفلا يَنبغي أن يُعَدَّ هذا اعتبارًا مرجِّحًا لقوامة الرجلِ على المرأة؟ أما ما تَزعمه د. نوال السعداوي في كتابها:"الأنثى هي الأصل" (ضمن مجلد"دِراسات عن المرأة والرَّجُل في المجتمع العربي"/ ط 2/ المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ بيروت/ 1990 م/ 153) ، مِن أنَّه ليس هناك أيُّ دليل علمي على أنَّ المرأة أقلُّ مِن الرجل عقليًّا ولا فسيولوجيًّا، وأنَّ القول بغيرِ ذلك هو مِن تأثير السلطة الأبويَّة التي تملك الزوجة والأولاد كما تملك قطعةَ أرْض، فمِن أين لها يا ترَى بهذا الكلام؟! وقبل ذلك لماذا استطاع الرجلُ أن يُسيطِر على المرأةِ في الماضي ولم تستطعْ هي أن تسيطر عليه؟ أليس هذا دليلًا على أنَّه يتفوَّقُ عليها بشيءٍ أعانَه على فرض تلك السِّيادة أيًّا كان هذا الشيء؟ على أنَّ ذلك الشيء لا يُمكِن أن ينحصرَ في القوَّة العضليَّة وحْدَها، وإلا فهناك مثلًا زُملاءُ وأصدقاءُ ذكورٌ كُثْرٌ لا يُسيطر الطرفُ الأقوى عضليًّا منهم على الآخرين، بل ربما خضَع هو لِمَن هو أقلُّ منه في القوَّة العضليَّة لما يمتاز به مِن حِكمة وسداد رأي، أو جاذبية شخصيَّة، أو وفرة في الاتِّصالات العامَّة، أو تفوق عِلمي أو إداري مثلًا.
كذلك فزعم السعداوي أنَّ العلم في النصف الثاني مِن القرن العشرين قدْ كذَّب الافتراضات والنظريات التي كانت تفرق بيْن الرجل والمرأة جسدًا وعقلًا وشعورًا (المرجع السابق/ 158) ،