بالعصيان والتمرد، وفسقوا بجراءتهم على مقام الألوهية ووقاحتهم على مقام النبوة، وكان ما قدره الله تعالى من عقوبتهم استجابةً لدعوة نبيهم عليهم.
وفي فترة التيه هذه انقرض جيل الآباء، وخلفهم جيل جديد نشأ في المحنة وشظف العيش وجفاء الصحراء، لم يألف حياة الجبن والذل والخنوع التي كان عليها السابقون تحت سطوة فرعون وجنوده، فدخلوا الأرض المقدسة، مما شرحناه في سورة البقرة من قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} البقرة 58/ 59.
لقد خاطب الحق سبحانه في هذه الآيات المباركة أهل الكتاب ودعاهم إلى الإيمان برسالة الإسلام المتجدد برسول الله صلى الله عليه وسلم وما نزل عليه من القرآن الكريم، وذكرهم بما ارتكبه أسلافهم من نقض لميثاقه وانحراف عن سبيله، وبما أصابهم من غضبه وعذابه، إلا أن هذا الخطاب الإلهي موجه أيضا لجميع المسلمين في كل عصر، تربية لهم، وتحذيرا مما عصف بعقائد غيرهم من أهل الكتاب، وأخل بوحدتهم وأمنهم في الدنيا، وسلامتهم في الآخرة، وتذكيرا بما قد يكون عليه حالهم إن نقضوا الميثاق أو خانوا الأمانة أو استحلوا الحرمات دماء وأعراضا وأموالا، ومع ذلك نرى كثيرا من مسلمي هذا العصر يسارعون الخَطوَ للحاق بمن ضل قبلهم حالا ومآلا.