بذلك الحق سبحانه عقب ذلك بقوله: {قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} . فلجوا في التمرد والرفض المقرونين بسوء الأدب مع نبيهم إذ {قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا} ، ثم أوغلوا في الوقاحة بحديثهم عن الله تعالى كأنه رب موسى وحده وليس ربا لهم، وقالوا: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} . والإشارة في وصف الرجلين الصالحين بالخوف من الله تعالى تشي بما لهذا الشعور النبيل في بناء الشخصية المسلمة المستعلية بإيمانها في ميادين مواجهة طواغيت الأرض وجبابرتها ماضيا وحاضرا، لأن الخوف من الله وحده لا يجتمع مع الخوف مما سواه في قلب المؤمن أبدا، وبما في هذا الوصف من تعريض وزراية بأهل الجبن والهلع وخور العزيمة والحرص على الحياة.
أسقط في يد موسى عليه السلام بما رأى من سفاهة قومه وتخاذلهم وإيثارهم الراحةَ مع الضعة والهوانَ على عزة الجهاد واستعلاء الإيمان، فلم يملك إلا أن جأر بالاعتذار إلى ربه للشكوى مما لقي من قومه: {قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي} أي: يا رب إني لا أملك لنصرة دينك من بني إسرائيل إلا نفسي وأخي هارون الذي يطيعني، ثم دعا عليهم: {فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} فاقض بالعدل بيننا وبين قومنا العصاة الفاسقين، وبما أن دعوة الأنبياء مستجابة فقد وُصِلَت بالإجابة بقوله تعالى عقبها:
{قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ} لا يدخلونها ولا يملكونها، لأن شرط دخولها كان هو الجهاد، فلما أخلوا بالشرط تخلف المشروط {أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ} يمكثون عقوبة لهم خارج الأرض المقدسة أربعين سنة، حائرين خائفين من مواجهة عدوهم، راكنين إلى ضعة أمن مزيف وراحة ذل مقيم {فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} والأسى هو الحزن، من فعل"أسِيَ يأسى أسىً"إذا حزن، أي: فلا تحزن يا موسى على قومك وقد فسقوا عن أمر الله تعالى بالقعود عن الجهاد، وفسقوا عن أمرك