فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 278

غير ذلك مما لا أهمية له في تحقق العبرة من الحادثة، لا سيما والغاية التربوية أخذت في الاتضاح والبروز بما دار بين الأخوين من حوار كشف نموذجين مختلفين من طباع البشر، نموذجا مسالما سمحا طيبا وديعا، ونموذجا عدوانيا حسودا حاقدا رفض نتيجة التحكيم واستسلم لغيظه فثار في وجه أخيه:

{قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ} عالَنَهُ بالعزم على قتله إمعانا في إيذائه نفسيا قبل أن يقتله، إلا أن هذا التهديد لم يزد أخاه إلا وداعة ومسالمة وثقة بربه، وعفة عن الظلم والعدوان ورضا بقضاء الله وقدره ورجاء لحسن مصير الصابرين المحتسبين في الآخرة، فما كان من رده على أخيه إلا أن: {قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} تعريضا بفجور أخيه في الخصومة ورفضه حكم الله بينهما، وحرصه على الانتقام والعدوان، ثم زاد توضيحا لموقفه الإيماني وتذكيرا غير مباشر لأخيه بحق الأخوة، ورابطة العقيدة وحساب الآخرة فقال له:

{لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي} لئن تجرأت على ربك فمددت إلي يدك بالقتل {مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ} فلست بالذي يمد يده إليك بالقتل {إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} لأنني أخاف الله ربي وربك ورب الكون كله، فلا أعصيه ولا أعتدي على عباده، ولا أتجرأ على سفك دماء حرمها، وما دمتَ قد اخترت طريق العصيان والتجبر والطغيان مصرا عليها، فإني أختار غير طريقك وأحذرك عاقبة عملك في الآخرة {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ} ولئن قمت بقتلي فليس لي من مطلب عند الله إلا أن تتحمل إثم قتلي وإثم رفضك حكم الله في خلافنا، فتدخل النار {وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} من أمثالك.

إن ابن آدم المسالم في موقفه هذا يمثل أصالة الأخوة الإيمانية والإنسانية في صفائها الفطري قبل أن تلوثها نوازع الشر وكوامن الحسد والحقد والأثرة، وهي الأصالة التي بشر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أمر بما يكون عليه العمل في الفتنة فقال: (اجلس في بيتك فإن خفت أن يبهرك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت