شعاع السيف فغط وجهك)، وفي لفظ: (فكن كخير ابني آدم) ، وفي لفظ: (فكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل) .
لقد كان ابن آدم القتيل في نصحِه أخاه القاتل وتذكيرِه بعذاب الله وغضبه على من يقتل النفس البشرية بغير حق، وفي موقفه الإيماني وشعوره بأخوة الدين والرحم ما يهدئ القلوب ويرد إلى الصواب من القول والعمل والمشاعر الطيبة، إلا أن النفس الأمارة في هيجانها وعمائها عن الحق وحرصها على إرواء غليل حقدها صمَّت وعمِيَتْ {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ} هونت للأخ الظالم أمر القتل وجرأته وشجعته عليه فقتله في سورة غضب وحسد {فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} خسر القاتل أخاه الشقيق، وخسر والديه إذ فجعهما بقتل ولدهما، وخسر عشرة هنيئة طيبة في أسرته، ونفسا مطمئنة سوية هادئة، وخسر فوق ذلك كله آخرته. فلم يدر من هول الصدمة وعنف التجربة وقد فقد توازنه النفسي وغشيت الظلمة سمعه وبصره ووعيه ما يفعل بجثمان أخيه وهو يتحلل بين يديه مكشوف العورة، إلى أن قيض الله له غرابا يستنقذه مما هو فيه ويعلمه كيف يستر أخاه ويدفنه:
{فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ} ألهم الله غرابا يحفر الأرض أمامه ليدفن غرابا آخر ميتا {لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ} والسوءة لغة هي العورة ويكنى بها عن الفضيحة الكبيرة، أي ليعلمه كيف يستر فضيحة عدوانه فيدفن جثمان أخيه ويغطي عورته وما لا يجوز أن ينكشف من جسده.
إلا أن هذا التعليم من طائر أعجم لم يزد القاتل إلا شعورا بدناءةِ فعلته، وهوانِ قوته التي استغلظ بها على أخيه، وقصور إدراكه وهمته عن بلوغ إدراكٍ وهمةٍ لغراب وجد غرابا ميتا فبرَّه وتطوع بدفنه ومواراته التراب، فانقلب نادما على فعلته، محتقرا جهالته وعجزه، مسترجعا شعور الأخوة التي خانها، والرحم التي تنكر لها والإنسانية التي اعتدى عليها: {قَالَ يَا وَيْلَتَا} ولفظ"الويل"معناه الهلاك، تقال في القرآن لمستحقي العذاب في جهنم كما في قوله تعالى: وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ