فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 278

أَثِيمٍ الجاثية 7، وتستعمل الكلمة مطلقا عند وقوع مصيبة عظيمة، كأن قائلها يدعو الويل ليحضره ويقول:"يا ويْلُ، هذا أوانُ حضورك فاحضر، فقد تعاظمت الدواهي ولم يبق منها إلا أنت"، قالها ابن آدم القاتل اعترافا باستحقاقه العذاب، ثم عقب مستصغرا قدرته وإدراكه: {أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ} أيبلغ بي الجهل والسفاهة أن لا أبرَّ أخي وأن أقسو عليه فأقتله، وإذ قتلته ألَّا أُدْرِكَ ما أدرك الغراب، وأفعل ما فعل، فأواريه التراب وأستر عورته المكشوفة في العراء كما وارى الغراب أخاه؟

إن الله تعالى إذ خلق الإنسان من نفس واحدة وجعل منها زوجها وذريتها أضفى عليها من الكرامة والحرمة ما يحفظها من المهانة والعدوان، قال عز وجل: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} الإسراء 70، فإن قُتل شخص واحد ظلما أو اعتُدي عليه أو هتكت حرمته فقد أهين مَنْ كرمهم الله جميعا، إذ لا فرق بين الواحد والجمع، وإهانة من كرمهم الله تعالى جراءةٌ عليه تغضبه، كما أن تكريم من كرمهم تُرْضيه، لذلك اتخذ سبحانه من هذه الحادثة أداة لتربية الخلق على السلم والأمن والمواطنة الكريمة والأخوة السامية، وسبيلا لقمْعِ ظواهر العدوان والظلم والاستهانة بالحرمات، فأنزل تشريعه لبني إسرائيل بمضاعفة إثم القتل بغير الحق، ثم ذكَّر به المسلمين قرآنا يتلى كيلا يفعلوا فعلهم، ولتكون الحادثة سبيلا إلى استئصال الميل للجرائم والفرح بها، ويكون ما بُنِيَ عليها من أحكام قاعدة تؤهلهم لاستيعاب روح التشريع الإسلامي ومقاصده فقال تعالى:

{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} أي: بسبب هذا العدوان الصارخ على ما كرم الله تعالى من بني آدم وما حرمه من دمائهم، فرض على بني إسرائيل تشريعا جزائيا مشددا زاجرا لجريمة القتل هو:

{أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ} أي قتلها بغير ما تستحق به القتل شرعا، قصاصا أو دفاعا عن النفس مثلا {فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا} فإثم جريمته يعدل إثم قتل بني آدم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت