فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 278

بأوامر ونواه حول الحياة الخاصة والعامة للمؤمن، أمر بالوفاء بعهد الله، ونهي عن إحلال شعائره، وأمر بالتماس الحلال من المطاعم والمناكح، وأوامر بإقامة الصلاة وشهادة الحق وشكر النعم، وتخلل ذلك كله عرض لما ضلت به أمم الرسالة قبل البعثة المحمدية من عقائد فاسدة وتصرفات جائرة، تحذيرا للمسلمين من فعلهم وورود موردهم، ولذلك قال عبد الله بن مسعود إذ فهم الإشارة وأوجز العبارة:"كل مؤدب يحب أن يؤتى أدبه وإن أدب الله القرآن، فإذا سمعت الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فأرْعِها سمعك فإنه خير مأمور به أو شر منهي عنه".

ولكون هذه النداءات السابقة متعلقة بأفعال وتروك وعظات في الحياة العملية فقد كان لازما لها من سِلْك ينتظمها جميعا في عِقد رباني يتحلى به المؤمن في الدنيا والآخرة، سلك أوجزه الحق سبحانه عقب ذلك بقوله:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} فجمع متفرق المأمورات والمنهيات أولا في قوله عز وجل: {اتَّقُوا اللَّهَ} أي ليكن خوفكم من الله بامتثال أمره ونهيه وقاية لكم من غضبه، تنجيكم من عذابه وتدخلكم جنته، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} يونس 63/ 64، وقال: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} النازعات 40/ 41.

وأرشد ثانيا إلى ما لا يتم الواجب إلا به فقال:

{وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} ولفظ الوسيلة من فعل وسَل إلى الشيء إذا طلبه ورغب فيه، ومنه: الواسل وهو الساعي للقرب من الله تعالى الراغب في مرضاته، ومنه قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ} الإسراء 57، والوسيلة بذلك ما أبلغك مرادك، وحقق رغبتك، ولذلك أطلقت على درجة من الجنة قال عنها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت