فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 278

إقامة الحد، فقال تعالى: {مِنْ بَعْدِ ظُلْمِه} أي من بعد قيامه بالسرقة، ولم يقل: {مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} كما ورد في آية الزنا والقذف.

ويختم الحق سبحانه الحديث عن أحكام السرقة والتوبة منها بقوله {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} والاستفهام في هذه الآية تنبيه تقريري لشمول قدرته تعالى ونفاذ إرادته في الكون كله، يعذب من يشاء بحكمته ويغفر لمن يشاء برحمته، قدير لا يعجزه شيء.

هذه نبذة موجزة عن هاتين الآيتين الكريمتين وعلاقتهما بالأحكام الفقهية والتشريعية، أما من حيث علاقتهما بالمجتمع الإسلامي الرباني الحقيقي فلابد لتوضيح ذلك من التذكير بأن هذا القرآن جاء لينشئ مجتمعا نموذجيا، ويقيم نظاما للحياة مرتبطا بنسق كوني متكامل خاضع لله الذي خلق الكون ويعلم ما يصلح له وما يصلحه وما يناسبه من نظم وتشريعات، وعلمه سبحانه وتعالى مطلق غير محدود، ولئن جمع عز وجل في هذه الآيات للمجتمع الإسلامي ما بين الوازع الذاتي للخير والبر والصلاح وصدق العبادة وإخلاصها وبين الوازع الخارجي وهو الخوف من العقاب فإن ذلك مما يميز التشريع الإلهي المبني على حكمة وعلم مطلقين، عن التشريع الوضعي المؤسس على علم البشر القاصر وحكمتهم المحدودة. ومن ثم يتعذر ترقيع التشريعات اللبرالية أو الشيوعية أو غيرها بالتشريع الإسلامي لتعارض مرتكزاتها وقواعدها وأهدافها. أما المجتمعات الإسلامية التي اختلت فيها الأوضاع الإيمانية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية ولم يطبق فيها حكم الإسلام فلا بد لتطبيق حد السرقة فيها بموضوعية وعدل من أن تستقيم أوضاعها على نهج الإسلام وشريعته.

لذلك نرى أن إقامة حد السرقة بشكله الصحيح مرتبطة ارتباطا وثيقا بإقامة الإسلام كله كاملا متكاملا في جميع الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ارتباطا يحرر حاجات الناس ويضمن ضروريات العيش الكريم لهم، ويحميهم من مختلف الضغوط والانحرافات ويشيع فيهم جوا من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت