فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 278

هذا في المجال الدنيوي المحض، وبين مجموعة من الناس محدودة؛ فما بالك بالمجال الديني الذي يخاطب فيه النبي كافة البشر على اختلاف مشاربهم ونواياهم وقدراتهم وأهدافهم، وفيهم الصادق الأمين والخائن الرعديد، والمنافق المخادع، ومعلول الطوية مدخول العقيدة، فتنعكس تصرفاتهم كلها على الدعوة الإسلامية أولا، ثم على الحالة النفسية للنبي القائد ألما وحزنا كلما لمس تخريب المخربين من بعض مدعي الإيمان به، أو نفاق المنافقين ممن يزعمون اتباعه، لا سيما وهو مجرد بشر حُمِّل أمانة التبليغ، له نصيبه من طبيعة البشر وعواطفه، يحزن كما يحزن البشر ويضيق بما لا يطيق كما يضيق البشر، يرى الكبيرَ والصغير يُحْتضَر فيبكي، وتسأله الأم ورضيعها بين يديها عن رحمة الله فيبكي، ويخونه المنافق فيحزن، ويكذبه الكافر المجاحد فيتألم، ويذكره ربه بما لاقاه إخوته الأنبياء قبله من أقوامهم فيأسى.

لقد كان صلى الله عليه وسلم بصفته خاتم الأنبياء حمالا لهموم الخلق حريصا على هدايتهم، يفرح لمن اهتدى ويحزن لمن ضل، وحزنه في أغلب حالاته مقرون بالبكاء لما جبل عليه قلبه من لين ورحمة، ولينُ قلوب المؤمنين ورحمتُها من مكتسبات الإيمان وفضائله.

لذلك كان الوحي الكريم يثبته كلما آذاه المشركون والمنافقون وأهل الكتاب بتعنتهم وعنادهم ومكرهم، من ذلك ما ضاق به صدره إذ سألوه مرة أن يُنزَّل عليه كنز أو يأتي معه ملك، فسري عنه واطمأن إذ خاطبه الحق تعالى بقوله: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَه مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} هود 12.

ومن ذلك أن أبا جهل قال له مرة:"ما نكذبك لأنك عندنا صادق، وإنما نكذب ما جئتنا به"، فحزن صلى الله عليه وسلم حزنا شديدا لم يخففه عنه إلا نزول قوله تعالى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} الأنعام 33، وفي هذا السياق وأمثاله نزل قوله تعالى: {وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} آل عمران 176، وقوله عز

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت