لقوله تعالى أيضا عن التوراة: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ} الأعراف 145، وقوله عن القرآن الكريم: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} يونس 57.
ثم خص الله تعالى المتقين بالاتعاظ وجعلهم أهلا له فقال عقب ذلك: {لِلْمُتَّقِينَ} أي لأصحاب القلوب الواعية القابلة للهدى والنور، الذين يتعظون بما فيه من مواعظ وينزجرون بما حواه من زواجر، ويخافون ربهم بالغيب فيؤدون ما فُرِض عليهم ويجتنبون ما نُهوا عنه، لأنهم أكثر الناس فهما لكلام الله وأشدهم مراعاة له وعملا به، وأولاهم بحمله وتبليغه والحكم بشريعته.
وبعد أن أنزل الحق سبحانه الإنجيل إلى بني إسرائيل على لسان عيسى عليه السلام، أمرهم بتنزيل أحكامه وشرائعه في حياتهم بكل أوجهها العقدية والعبادية والقضائية والسلوكية، إذ لا معنى لنزوله إلا العمل به، فقال عز وجل:
{وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ} وحرف اللام ساكنا في قوله تعالى: {وَلْيَحْكُمْ} لام الأمر بجعل الإنجيل مرجعا وحيدا للحكم، خلافا لحمزة الذي قرأ حرف اللام بالكسر: {وَلِيَحْكُم} على أنه تعليل لنزول الإنجيل، أي: نزل لِيُحْكَم به.
أما أهل الإنجيل في الآية الكريمة فهم النصارى الذين آمنوا بعيسى عليه السلام وصدقوه واتبعوه، ووجب عليهم الحكم بالإنجيل الذي أوتيه، ليس لهم إلا ذلك، من غير تحريف أو تبديل، لأن القاعدة الأساس في كل بعثة ورسالة هي الحكم بما أنزل الله تعالى، وهذا الأمر بتحكيم الإنجيل وقَبْلَه الأمرُ بتحكيم التوراة كان قبل البعثة النبوية التي نسختهما بالقرآن الكريم، فلم يبق في عهدتهم منهما إلا التوحيد والبشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم والأمر باتباعه، وهو عين ما أمر به تعالى نبيه إذ قال له: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ