إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ المائدة 68، أي حتى تقيموا شهادة التوراة وشهادة الإنجيل لمحمد صلى الله عليه وسلم وبشارتهما به، وما أنزل إليكم من القرآن.
ثم قرر تعالى حكم مخالفة هذه الآية الكريمة فقال: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} أي: فأولئك هم المختصون بصفة الفسق، وبما أن الفسق شرعا منه كفر ومنه ظلم، فإن كان عدم تحكيمهم الإنجيل اتباعا للشهوات بغير تكذيب فهو فسق المعصية، وإن كان إعراضا مبرَّرا بعدم ملاءمته للحياة فهو الكفر الصراح، وإن كان تكذيبًا مطلقا فقد جمع إلى الكفر المحاربةَ لله ورسوله والبغيَ في الأرض بالفساد، لذلك تضمنت هذه الآية بصيغة الإطلاق والعموم فيها جميع معاني قوله تعالى قبلها: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} المائدة 44، وقوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} المائدة 45، وكانت بذلك أكثر لصوقا بمن يحكم بغير ما أنزل الله في كل عصر وفي كل قوم.
لقد أنزل الحق تعالى كتابيه التوراة والإنجيل في بني إسرائيل واستحفظهم عليهما فأضاعوهما بالتبديل والتحريف والزيادة والنقص، وكتموا أحكامهما وتاجروا بهما ووظفوهما في مجالات صراع الطوائف والمذاهب طلبا للسلطة أو دعما لأربابها، ثم أورد في هذه الآيات الكريمة خبر مسيرتهم الضالة وتجربتهم الدينية الفاشلة تربيةً للأمة الإسلامية الخاتمة وتثبيتا لها على الحق وتحذيرا من اتباع أثرهم أو السعي مسعاهم، أو سلوك سبيلهم كيلا تستوجب غضب الرب وعقابه مثلهم، ولذلك عقب عز وجل مذكرا بخاتمة المطاف في المسيرة الإنسانية العقدية بصورتها النهائية ومنهجها الكامل وشريعتها السمحة الغراء، راسما خط سيرها السليم وبوصلة قبلتها الراشدة مخاطبا أمتها في شخص رسولها الكريم صلى الله عليه وسلم وقال:
{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ} يا محمد {الْكِتَابَ} الذي هو القرآن الكريم {بِالْحَقِّ} ، ويكفي لصدقه أنه نزل من الحكيم العليم، كما قال تعالى أيضا: {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} الإسراء 105، وأنه نزل بالمنهج الذي يقيم الحق والعدل في كل مناحي الحياة، وفي كل