{وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} ذلك لأن الاختيار السليم لا يكون إلا مبنيا على علم يقيني لا لبس فيه، ورؤية صحيحة لا غبش فيها وحجة بالغة غير قابلة للدحض، مصدرها خالق الكون تعالى، بواسطة كتابه المنزل ورسوله الأمين، بذلك يستقر إيمان المرء على درجةٍ من اليقين لا تتزعزع، فلا يبغي بحكم الله بديلا، ولا يرضى بحكم الجاهلية منهجا أو دليلا، درجةٍ يعرف بها الحياة ممرا غير دائم، ويوقن فيها بأن الآخرة مستقر غير زائل، خلود في الجنة أو خلود في النار، وهو بذلك المؤمنُ الموقنُ حقا، اختار فطوبى له الاختيار وطوبى له عقبى الدار {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} الرعد 23 - 24، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للحارث بن مالك الأنصاري رضي الله عنه: (كيف أصبحت يا حارثة؟) قال: أصبحت مؤمنا حقا، قال: (انظر ما تقول، فإن لكل قول حقيقةً) ، قال: يا رسول الله، عزفتُ نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري، وكأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة كيف يتزاورون فيها، وكأني أنظر إلى أهل النار كيف يتعاوون فيها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أبصرت فالزم، عبْدٌ نوَّر الله الإيمان في قلبه) [[1] ].
(1) - جامع العلوم والحكم، روي من وجوه مرسلة ومتصلة، والمرسل أصح.