فهرس الكتاب

الصفحة 172 من 278

فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ النحل 49/ 50، وقال عز وجل: {لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} يس 40.

هذه الأمة لابد لها من موقف شعوري مشترك يمثل الجهاز العصبي للجسم الواحد، تتضامُّ به مكوناتها وتتماسك به مقومات شخصيتها الذاتية والاعتبارية، وتزكو به وظيفتها في الأرض، وتسمو به مكانتها في الوجود، وتتوفر لها به المناعة التامة ضد الذوبان في غيرها أو التفتت في مواجهة عدوها، هذا الموقف الشعوري المشترك هو الذي يجعلها جسدا واحدا إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، وإذا هددته المخاطر تصدت لها قوى المناعة الذاتية بالحماية والذود والمدافعة. إنه الإحساس المشترك بين أهل الإيمان بالانتماء إلى أمة واحدة موحدة كما أراد لهم الحق سبحانه إذ خاطبهم بقوله: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} الأنبياء 92.

إن هذا الشعور الجماعي لدى المسلمين، وقوةَ انسكابه في قلوبهم وعقولهم ومواقفهم ولاء لربهم وعقيدتهم وأمتهم، وتدفقَه في علاقاتهم ببعضهم مهما اختلفوا أو تنازعوا، ثمرة يانعة لانتمائهم إلى عقيدة واحدة ربانية من إله رحيم وصراط مستقيم ومصير واحد في الدنيا والآخرة، ويقينهم بأن هذا الانتماء لا يكون صادقا مؤتيا أكله إلا بالتماسك والتضامن والتعاون والتكافل والتناصر في مواجهة خصوم شرسين لا يرقبون فيهم إلاًّ ولا ذمة، بذلك تقوى الأواصر بين أفراد الأمة وتتظافر الروابط والوشائج النفسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية بين مكوناتها، فتستغني عن كل ولاء لغير ربها أو استنصار بعدوها. لذلك حفل القرآن الكريم بعد الدعوة إلى العقيدة السليمة، بآيات الولاء وضرورة اتخاذه قطب الرحى في علاقة المسلمين بربهم وعلاقتهم برسولهم وببعضهم، وعلاقتهم بالمناوئين الباغين لهم ولدينهم السوء، كما في سورة المائدة التي نواصل تفسيرها، وقد أفاضت في بيان أصول العقيدة، وكشفت للمسلمين طبيعة الكفار والمشركين والمنافقين، وطرائق تخريبهم للصف المسلم، ثم عادت إلى مخاطبتهم بصفتهم الإيمانية الحقة، محرمة عليهم موالاة الخصوم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت