فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 278

المتربصين بهم الدوائر من سائر الملل والنحل والعقائد الضالة، لما في هذه الموالاة من غبش رؤية وقتامة تصور إيماني، وجهل بمقتضيات العقيدة السليمة وتمييع للصف وإضرار بالوحدة، وما تنطوي عليه من سذاجة سياسية أو إيثار غبي لبعض المصالح الآنية رغبا أو رهبا، فقال عز وجل:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} ، وقوله تعالى: {أَوْلِيَاءَ} جمع مفرده"ولِيّ"، من فعل"وَلِي"، وحروف الواو واللام والياء في أصل اللغة تدل على القرب، ومنها الوَلْيُ أي القرب، كما في قولهم: تباعد بعد وَلْيٍ، ومنه لفظ"الوليّ"ويطلق على المتعهد والحليف والصهر، والمحب والمعين والمنعم، ومن يلزمه القيام بأمر ما، أو تَحِقُّ له المطالبة بشيء ما، كما في قولهم: وليُّ المقتول أو وليُّ الدم، ومنه:"الوليّ"من أسماء الله الحسنى، بمعنى الناصر والمعين من قوله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} البقرة 257، فإن أطلق اللفظ على المؤمن كقولهم: فلان وليّ الله، كان معناه المُعَان بنصر الله وتوفيقه، ومنه"المَوْلى"بمعنى الوليّ الناصر في قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ} محمد 11، والولاية بذلك لا تخرج عن معنى النصرة والعون والمحبة وما في حكمها، كما في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} الأنفال 72.

وحرف النهي:"لا"في قوله تعالى: {لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} يفيد تحريم اتخاذهم أولياء يُنصَرون أو يُستنصَرون، أو يعاشَرون معاشَرة المؤمنين محبةً ومصافاة وتطاوعا، وعلل الحق سبحانه هذا النهي بقوله: {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} هم جميعا وإن اختلفوا في الدين متفقون بجامع الكفر على عداوة الإسلام، متناصرون في حربهم على المسلمين مهما كتموا أو تستروا.

ثم بين عاقبة موالاتهم فقال: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} ومن يواليهم من المسلمين محبة أو نصرة أو استنصارا أو طاعة وتصافيا فإنه من جملتهم، وحكمه حكمهم، يكلهم الله إلى أوليائهم من غير الله، {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} الذين ظلموا أنفسهم بموالاة غير المؤمنين، يتركهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت