الحق سبحانه في الضلال لا يهتدون إلى طريق الجنة ولا يريحون ريحها، والتهديد في هذه الآية تشديد في وجوب البراءة من أعداء الدين وعدم موالاتهم.
لا شك أن هذه الآية صريحة في تحريم موالاة المسلمين لليهود والنصارى على رغم أن لهم بقيةَ انتساب إلى موسى وعيسى عليهما السلام، ولكنها أيضا بمفهوم الأَوْلَى تحرم موالاة جميع الكفار من غيرهم، وهو ما ورد واضحا في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا} النساء 144، وقوله عز جل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} التوبة 23.
وهذا التحريم يقتضي من المؤمن البراءة من عقائدهم المشركة وتشريعاتهم المناهضة لشريعة الإسلام، وعدم طاعتهم أو محبتهم أو مناصرتهم أو الاستنصار بهم على أهل الإيمان، قال تعالى: {لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} آل عمران 28، وقال: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} المجادلة 22، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} آل عمران 100.
إلا أن البراء من غير المسلمين لا يعني القطيعة وإعلان العداوة أو عدم التعاون معهم في المجالات الدنيوية تجارة أو صناعة أو علما وتعلما وتعليما، وتعاونا على بذل الخير والإحسان ودفع المضار وكف الأذى، كما لا يعني عدم معاشرتهم بالبر والعدل والكلمة الطيبة وحسن الخلق، لأن ذلك كله من مقومات أخلاق الإيمان، قال تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} ، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (خيركم إسلاما أحاسنكم أخلاقا إذا فقهوا) وقال: (إن أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خُلُقا، وإن حُسْن الخلق لَيبلُغ درجة الصوم والصلاة) .