جثث الشهداء إلا عنوان هذا العداء المكين للعقيدة مهما تعددت الشعارات المنتحلة وتباينت المبررات المفتعلة.
إن العقيدة الإسلامية هي مبعثُ هذا الغيظ في قلوب أعداء الأمة ومصدرُ نقمتهم على أهل التوحيد، وما محاولة تغييب دورها في المعركة بأسلوب جديد من أساليب مقاومتها والتعتيم على حقيقتها، وقد بلغ بهم الحنق والكره للمسلمين أن قصفوا في عصرنا هذا الرجال والنساء والأطفال بالأسلحة الفتاكة المحرمة دوليا، كما سبق في عصور خَوالٍ أن أحرقوا الرجال والنساء والأطفال، قال تعالى: {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} البروج 4/ 8، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ شكا إليه بعض صحابته ما يلقون من المشركين: (قد كان مَنْ قبلكم يُؤْخَذُ الرجلُ، فيُحْفَرُ له في الأرض، ثم يُؤْتى بالمنشار، فيُجْعَلُ على رأسه؛ فيجْعَلُ فِرْقتين، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويُمْشَطُ بأمشاط الحديد ما دون عظمه مِنْ لَحْمٍ وعَصَب، ما يصرفه ذلك عن دينه! والله! لَيُتِمَّنَّ الله هذا الأمرَ، حتى يسير الراكبُ ما بين صنعاءَ وحَضْرَمَوْتَ؛ ما يخاف إلا اللهَ تعالى، والذئبَ على غنمه، ولكنكم تَعْجَلُونَ [[1] ]) .
إن معسكرات أعداء التوحيد يعرفون خطورة العقيدة على مصالحهم السلطانية والقبلية والكهنوتية والمالية، ولكنهم يموهون طبيعة عدوانهم على المسلمين بما يفت في عضدهم حينا، أو يميع ولاءهم لدينهم حينا، أو يلجؤون إلى السخرية من عقيدتهم وعباداتهم حينا آخر، فإن باءت بالفشل محاولات الردع والمحاصرة كان السعي للاستئصال وتصفية الأتباع بالقتل والسحل والتحريق. لذلك كان تركيز الوحي في الآيات السابقة من سورة المائدة على حقيقة المعركة بين الإيمان بجميع
(1) - عن خَبَّاب قال: أتينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو متوسد بُرْدةً، في ظِلِّ الكعبة، فشكونا إليه، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟! ألا تدعو الله لنا؟! فجلس مُحْمَرًّا وَجْهُهُ، فقال:) قد كان مَنْ قبلكم يُؤْخَذُ الرجلُ، فيُحْفَرُ له في الأرض ... الحديث).