أممه وأقوامه، وبين الكفر بجميع ملله ونحله، وعلى عنصر الولاء للعقيدة والتصور الإيماني الواضح السليم، وعلى كشف طبيعة أعداء الأمة من أهل الكتاب والمشركين والمنافقين والمستهزئين، إعدادا نفسيا وتعبئة للصف الإسلامي ورفعا لكفاءته في مواجهة خصوم العقيدة الساعين لاستئصالها.
ولئن كان تمحيض الولاء لله ورسوله أقوى سلاح في المعركة، كما ورد في الآيات الكريمة السابقة فإنه أشد مضاء وأبلغ تأثيرا كلما ازدادت معرفة المؤمن بمبعث عداوة المتربصين به ودوافعها، لذلك عقب الوحي الكريم ببيان ذلك للمسلمين تبصرة وتذكرة فقال تعالى:
{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} ، والخطاب في هذه الآية الكريمة موجه للنبي صلى الله عليه وجميع المسلمين في كل عصر، يأمرهم بأن يخاطبوا أهل الكتاب مبينين لهم أمراضهم النفسية والعقدية التي تحول بينهم وبين الإيمان بالرسالة المحمدية وتَحْمِلُهم على كراهية المسلمين، هذه الأمراض يجملها الوحي الكريم في حالتين: أولاهما حسدهم للمسلمين على ما هداهم الله تعالى إليه وما حباهم به من الإيمان بالله وورسوله وما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن وما أنزل على الأنبياء قبله، وهو حسد ملأ قلوبهم نقمة وحنقا وكراهية، وذلك بقوله تعالى: {هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ} .
ولفظ"النقمة"معناه إنكار الشيء وكراهيته المشوبة بغيظ وحقد، من فعل"نقَم ينقِم، ونقِم ينقِم"، يقال نقم عليه فعله، ونقم منه فعله، أي أنكره عليه وعابه. ومنه قوله تعالى في نقمة المشركين على المؤمنين وإحراقهم في الأخدود: {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} البروج 4 - 8، وقوله عز وجل في ردة المنافقين: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ} التوبة 74.