إن مبعث نقمة الكفار هو معرفتُهم لحقيقة الرسالة الإسلامية وتصديقها لما نزل قبلها، وسبقُ المسلمين إلى اعتناقها ونشرها والجهاد في سبيلها، ولذلك نبه الحق سبحانه المسلمين إلى ما خصهم به من فضل، وأمرهم بأن يذكِّروا أهل الكتاب بموقفهم المزاجي المعاند الذي يحول بينهم وبين الإيمان، ويقولوا لهم: يا أهل الكتاب إنكم لا يغيظكم إلا أن آثَرَنا اللهُ دونكم بالإيمان بالله بما أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم، وبما أنزل من قبله إلى جميع الأنبياء والرسل عليهم السلام، وما استهزاؤكم بديننا وسخريتكم بندائنا للصلاة إلا محاولة لستر نقمتكم علينا وتخفيف ما تعانونه من ألم وغيظ لسبقنا إلى الحق واعتناقه والتبشير به.
ثم يعقب الوحي الكريم بالحالة الثانية التي تثير نقمتهم على المسلمين وتحول بينهم وبين الإيمان بقوله عز جل:
{وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} وخص الوحي أكثرهم بالفسق فلم يعممه على جميع أهل الكتاب، لأن فيهم من تراوده نفسه بالإيمان والإسلام، ولأن فيهم من كانوا قد أسلموا وحسن إسلامهم ونزل فيهم قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} المائدة 82. ومنهم عبد الله بن سلام الذي بشر بالجنة فيما رواه سعد بن أبي وقاص إذ قال:"ما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على وجه الأرض إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام"، وفيه نزل قوله تعالى: {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ} الأحقاف 10.
والفسق في هذه الآية معناه الكفر، سواء كان كفرا صريحا أو كفر نفاق، لأنه غشاوة على السمع والبصر تحجب الرؤية السليمة والسمع السليم فلا يميز صاحبه الحق ولا يهتدي إليه، وقد حكم الوحي على هذه الفئات بالكفر والفسق لأنهم كانوا أولا فاسقين بالمعنى الشامل للفسوق عقيدة وسلوكا، وكانوا ثانيا فاسقين لإيمانهم ببعض الرسل وكفرهم ببعضهم، وقد ورد عن ابن عباس أنه قال: أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نفرٌ من اليهود فسألوه عمن يؤمن به من الرسل؟ فقال: (أومن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب