فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 278

والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون)، فلما ذكر عيسى جحدوا نبوته وقالوا:"لا نؤمن بمن آمن به"، فأنزل الله فيهم: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} . وهو ما يعني أن لنقمتهم على المسلمين سببين هما الكفر والفسق:

أما كفرهم فقد كان عن استكبار وعزة بالإثم، لأنهم عرفوا الحق ولم يدينوا به حسدا وبغيا ونقمة على أهله. وأما فسقهم فلخروجهم من طاعة الله عز وجل، إذ لم يؤمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وقد وردت البشارة به والأمر بطاعته ونصرته في التوراة والإنجيل.

إلا أن مطلق الفسق عموما يقع على من خرج من الطاعة بكفر، وعلى من خرج بعصيان غير مكفِّر، وقد ورد في غالب آيات القرآن الكريم بمعنى الكفر كما في هذه الآية الكريمة، وورد بمعنى الخروج بعصيان دون كفر كما في قوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} البقرة 282. وهو حال مرتكبي بعض البدع من المسلمين، أو مرتكبي كبائر الذنوب، ولا يخرج ذلك من الملة، لأن الإيمان قد يجتمع مع هذا الفسق، وصاحبه مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وأمره إلى الله تعالى، إن شاء غفر له برحمته، وإن شاء عذبه بعدله، ومآله إلى الجنة فيما بعد. لذلك حذر النبي صلى الله عليه وسلم من إطلاق صفة الفسق أو الكفر على أحد من المسلمين دون بينة أو إقامة حجة، فقال صلى الله عليه وسلم: (لا يرمي رجل رجلا بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك) .

لا شك أن الكفر شر في الدنيا الآخرة، ولكن أشده شرا ما باء أهله بلعنة الله وغضبه وسبق لهم به العذاب في الدنيا مع ما يدخر لهم منه في الآخرة، وهم بذلك أشد الناس عداوة للإسلام وشراسة في محاربته والمكر بأهله، ولذلك حرص الوحي على أن يعرِّف المؤمنين بطبيعة معركتهم العقدية وحقيقة أعدائهم، عقب حضهم على إخلاص ولائهم لله ورسوله والأمة الإسلامية كي تتم المفاصلة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت