فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 278

حق لا تجامل الأهواء، ولا تساير الرغبات ولا تقيم وزنا للخصوم والأعداء، يجهر به غير حافل بأي خطر يتهدده ما دام مطيعا لأمر الله، ولْيفعلِ الكفار والمشركون والحاقدون والحاسدون والرافضون والكارهون بعد ذلك ما يشاؤون، لأن الأمر كله من الله ولله أولا وأخيرا. ليس له إلا أن يمتثل ويبلغ، كي تتضح المحجة وتبرأ الذمة، ولا يكون للناس على الله حجة يوم القيامة.

كان هذا شأن جميع الرسل عليهم السلام، وكذلك كان تبليغهم رسالات ربهم {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} الأحزاب 39، وإنما يدخل الخلل إلى عقيدة الناس عادة عن طريق ورثة الرسالة من الأحبار والرهبان والعلماء، إذا ما استسلموا لأهوائهم أو خضعوا لطواغيتهم، لذلك حرص الوحي على أن يؤدب الرسول صلى الله عليه وسلم بما أدب به غيره من الرسل، وأن يحضه على التبليغ الدقيق للرسالة نصا قرآنيا وبناء تربويا وأسوة سلوكية، وكان الخطاب له أيضا خطابا ملزما لورثته من العلماء، كيلا يرتكبوا ما ارتكبه أحبار بني إسرائيل ورهبان النصارى مما قصه تعالى من أخبارهم فيما سبق من آيات سورة المائدة وذكر فيها اجتراءهم عليه، وتبديلهم كتابه وتوثبهم على أنبيائه، وعدم تورعهم عن خبيث الأموال والمطاعم، وإعراضهم عن إقامة ما أنزل إليهم من التوراة والإنجيل إلى قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} المائدة 66، ثم اتجه الوحي الكريم مخاطبا رسول صلى الله عليه وسلم يحضه على تبليغ رسالة الإسلام والمداومة على أدائها والصمود في وجه أعدائها ومثبطي الهمم عن تقبلها فقال:

{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} وتصدير هذا الخطاب بحرف النداء يراد به إثارة الاهتمام وشد العقول والنفوس والإرادة إليه، كما أن قوله تعالى: {بَلِّغْ} يعني الأمر الحاسم الجازم بوجوب أداءِ الرسالة إلى من أرسِلت إليهم كاملة مستوفاة، وتربيتِهم عليها بالقول والعمل والقدوة. لذلك كانت هذه الآية من أشد ما سمعه أهل الكتاب وهم في حالة من الاعتزاز بباطلهم والاستعلاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت