فهرس الكتاب

الصفحة 200 من 278

بفاسد عقيدتهم، والعدوانية الناتجة عما يشعرون به من الإحباط عقب فتح مكة والتمكين للإسلام في أرجاء الجزيرة كلها، ولعل ذلك مما خشي معه رسول الله صلى الله عليه وسلم ردود فعلهم الشريرة، فأُمِر بالتبليغ الحاسم غير هياب ولا متردد أو عابئ بما يكيدون ويمكرون.

إن التبليغ كان مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم منذ ابتعث، فقد أُمِر به في أول الفترة المكية بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ} المدثر 1 - 2، إلا أنه في الفترة المدنية وقد نصره الله تعالى في مواطن كثيرة، وخصومه من أهل الكتاب والمشركين يلعقون جراحهم ويتنمَّرون وتغلي صدورهم بالحقد والضغينة، كان يستشعر وقع ما كلف بتبليغه على نفوسهم من وحي يكشف خواء ما هم عليه، ويحذَر ردود فعل منهم للانتقام طائشة، لا سيما والمجتمع الإسلامي الجديد يفاصل أهل الجاهلية مفاصلته الحاسمة، وقد كانت هذه الآية وما بعدها من أقوى ما خوطب به أهل الكتاب، وكان الأمر بالتبليغ فيها والتثبيت عليه والحض على مواصلته من أشد ما كلف به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أما فحوى الرسالة التي يجب تبليغها مستوفاة كاملة فقد تضمنها القرآن الكريم، والسنة النبوية قولا صحيحا وتطبيقا دقيقا وأسوة حسنة منه صلى الله عليه وسلم، وكان تبليغه صلى الله عليه وسلم للناس إما مباشرا لمن رآه وسمعه، أو بإرسال بعض صحابته إلى القبائل، أو ببعث الرسائل إلى ملوك الأرض كالمقوقس وكسرى وقيصر، كما أن في ورود هذا الأمر عقب تنديد الآيات السابقة بعلماء أهل الكتاب إشارة واضحة إلى واجب علماء المسلمين بصفتهم ورثة علم النبوة وأمناء دعوتها.

ولئن كان صلى الله عليه وسلم معصوما عن الهوى والتحريف وخطإ التبليغ عمدا أو سهوا كما قال عنه تعالى: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} النجم 2 - 4، فمن البديهي الذي يقتضيه فحوى الخطاب أن في الآية إشارة إلى ما يجب على علماء الأمة من أمانة التبليغ ودقته، يؤكد ذلك ورود هذه الآية مباشرة عقب ذكر ما عليه علماء أهل الكتاب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت