فهرس الكتاب

الصفحة 201 من 278

من إعراضٍ عن إقامة التوراة والإنجيل وتحريفٍ لتعاليمهما. وكذلك الأمر في كل آية جاءت بمثل هذا المعنى ومثلِ هذا السياق كما في قوله تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} الحاقة 44 - 48، إذ الأنبياء كلهم معصومون عن التقول على الله، وورثتهم من العلماء غير معصومين والتهديد في الآية موجه بفحوى الخطاب إليهم.

إن البلاغ الحق كما أمرت به الآية الكريمة، وكما فعله جبريل عليه السلام إذ بلغ الرسالة كاملة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنقلها إلى الناس كما تلقاها، ورباهم عليها وتعبدهم بها ولم يعبأ بمكر اليهود ولا بكيد المنافقين والمشركين ولا بتردد ضعاف النفوس، يقتضي من علماء الأمة أيضا أن يبلغوها كما تلقوها من غير تحريف، تبليغا متكاملا مجردا عن أهواء الرهبة والرغبة، وبما يحقق المقصد الشرعي من نزولها، قال صلى الله عليه وسلم: (نضر الله امرأ سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه) ، فإن بلغوها ناقصة أو محرفة أو مشوبة بأي نحلة غريبة عنها مسايرة لها أو خاضعة لها أو في خدمتها، ديمقراطية كانت هذه النحلة أو اشتراكية أو قومية أو عرقية أو ليبرالية فقد زيفوها ولم يبلغوها، وكانت شهادتهم عليها زورا وبهتانا.

إن البلاغ الحق لرسالة الإسلام وإن اقتضى أن يكون بالحكمة والموعظة الحسنة كما ورد في قوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} النحل 125، فإنه كذلك لا بد أن يميز أهله عن غيرهم في العقيدة والشعور والتصرف تميزا يظهر أثره ولاءً لله ولرسوله والمؤمنين لا تنفصم عراه، وتمسكا بالحق تصورا وسلوكا وتبليغا لا يقبل المداهنة وأنصاف الحلول لقوله تعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} البقرة 42

ولئن جاءت الرسالة لتغيير حياة الناس بما تقتضيه عبوديتهم لله تعالى فإن تبليغها مروَّضةً بأهوائهم أو مداهِنةً لمناهجهم الأرضية في السياسة والاجتماع والاقتصاد، أو ملبيةً لأهدافهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت