ومقاصدهم في الجاه والسلطة والمتع الوضيعة لا يعد أداء لها بقدر ما هو تحريف لها وكذب على مبلغها صلى الله عليه وسلم، ولذلك عقب الحق سبحانه على هذا التحذير بقوله:
{وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} وقد ورد لفظ {رِسَالَتَهُ} في قراءة نافع وأبي بكر ويعقوب وأهل الشام بالجمع: {رِسَالاتِه} على أن رسالة الإسلام أحكام كثيرة وأن القرآن نزل منجما، وكل آية منه رسالة، فحسن لفظ الجمع. كما ورد لدى الباقين بالإفراد {رِسالَتَهُ} على أن الدين شرع واحد وكتاب واحد. والمعنى أنك إن تركت تبليغ بعض الرسالة أو غيرت بعضها فإنك لم تبلغ شيئا، لأن تارك البعض بالحذف أو التغيير عمدا أو سهوا بمنزلة تارك الكل، كما أن من جحد آية من كتاب الله تعالى صار جاحدًا للجميع، ولا شك أن في الآية شدة على الرسول صلى الله عليه وسلم وتحذيرا من التقصير في التبليغ، كما لا شك أن مهمة التبليغ شاقة وعسيرة لأن مجابهة الكافرين والجاهلين والحانقين على الدين الحق عقيدة وتصورا ومنهج حياة تستفزهم وتستثير عدوانيتهم، إلا أن الصبر على ذلك من صفات أولي العزم من الرسل، وبذلك استحق محمد صلى الله عليه وسلم من بينهم مرتبة الخاتمية والسيادة والدرجة الرفيعة، ولذلك أُمر في آية أخرى بقوله تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} الأحقاف 35.
وقد روي عن جندب بن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أيها الناس، إنما أنا بشر مثلكم، فإن كنتم تعلمون أني قد قصرت عن شيء من تبليغ رسالات ربي فأخبروني حتى أبلغ رسالات ربي كما ينبغي لها أن تبلغ) ، فقام الناس فقالوا: نشهد أنك قد بلغت رسالات ربك، ونصحت لأمتك، وقضيت الذي عليك، وروى مسروق عن عائشة رضي الله عنها قالت: من حَدّثك أن محمدا صلى الله عليه وسلم كتم شيئًا من الوحي فقد كذب. ثم قرأت {يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} الآية.
ثم عقب الحق تعالى بما يدل على أنه حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحميه في جميع مراحل دعوته، فلم يكتم شيئا ولم يستطع أعداؤه منعه من التبليغ، فقال عز وجل: