{وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} ولفظ: {يَعْصِمُكَ} مأخوذ من عِصام القربة، وهو رباطها الذي تُوكَأُ به فيمنع سيلان الماء منها، وقوله تعالى {يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} أي يحميك عند التبليغ ويدفع عنك مكر الناس جميعا، كيدَهم وتآمرَهم وعدوانَهم ومحاولاتِهم صرفَك عن رسالتك، وما جبلوا عليه من الأهواء المؤدية للتغيير والتبديل والتحريف. لذلك لم يثنه عليه الصلاة والسلام عن تبليغ رسالته ما أصابه في مواطن كثيرة، كما في الطائف إذ رموه بالحجارة حتى دميت قدماه، أو يوم أحد إذ شج وسقطت رباعيته، ولم يفلح أحد في قتله أو في إغرائه بالمال والجاه، أو في استدراجه للفتنة والمداهنة.
ولئن وردت في الآثار أسباب كثيرة لنزول هذه الآية، منها أنها نزلت في فضل علي رضي الله عنه، إذ أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده لما نزلت وقال: (من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) فلقيه عمر رضي الله عنه فقال:"هنيئا لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة"، وهو قول ابن عباس والبراء بن عازب ومحمد بن علي، ومنها ما رواه أنس رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم كان يحرسه سعد وحذيفة حتى نزلت هذه الآية فأخرج رأسه من قبة أدم وقال: (انصرفوا فقد عصمني الله من الناس) ، ومنها أنها نزلت في الجهاد لأن المنافقين كانوا يكرهونه فكان صلى الله عليه وسلم يمسك أحيانا عن حثِّهم عليه، ومنها أنها نزلت في ما كان يفعله اليهود من استهزاء بالدعوة الإسلامية والنبيُّ صلى الله عليه وسلم ساكت عنهم، ومنها أنه صلى الله عليه وسلم لما نزلت آية التخيير وهي قوله تعالى: {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ ... } الْأَحْزَابِ 28، فلم يعرضها عليهن خوفا من اختيارهن الدنيا، فنزلت. إلا أن هذه الروايات على كثرتها تجعل معنى الآية منقطعا وبعيدا عما قبلها وما بعدها، لا سيما والسياق القبلي والبعدي لها كله حديث عما يكنه أهل الكتاب من نقمة وحقد على المسلمين وما يبيتونه للإسلام من مكر وكيد ومحاولة طمس وتحريف، وما يقومون به في دينهم من كذب على الله وتغيير لكتابيه التوراة والإنجيل، ولذلك عقب تعالى على تصرفاتهم بقوله: إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ