وحيث إن الكفار ليسوا على درجة واحدة من الطغيان والكفر، إذ منهم قلة يكفرون لِمجرد جهلهم بما أوحى به ربهم، ومنهم كثرة كافرة أُشرِبتْ قلوبهم الحقد واللَّدَد والضغينة والكراهية للمؤمنين، فقد أخبر الحق سبحانه عقب ذلك بما يكون عليه حال الفريقين إذ يَجْبَهُهُم الوحي بحقيقة كونهم ليسوا على شيء فقال تعالى عقب ذلك: {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ} من هذه الفئة الحاقدة المغتاظة {مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} من آيات تكشف خواء ما هم عليه {طُغْيَانًا وَكُفْرًا} عزة بالإثم واستعلاء بالباطل وكفرا بالحق بعدما تبين لهم {فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} وفعل:"تَأْسَ"مضارع حذف منه حرف العلة لأنه مجزوم بحرف"لا"الناهية، من الأسَى وهو الحزن، والفعل منه: أَسِيَ يَأْسَى أَسىً، أي: فلا تحزن ولا تجزع لمصير هذه الطائفة في النار.
وكما هو أسلوب الوحي الكريم في المقابلة بين الأضداد والمصائر المتعارضة وقد ذكر مصير هذه الفئة الضالة، فقد عرض لمصير أربعة أصناف من التوابين الأوابين للحق في كل عصر ومن كل دين فقال تعالى:
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى} والصنف الأول في هذه الآية هم المنافقون كما في قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ} المائدة 41. والصنف الثاني هم اليهود وتسميتهم يهودا كانت لقولهم: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} الأعراف 156، والصنف الثالث هم الصابئون، من فعل"صبأ"إذا ارتد عن الدين، وهم قوم كانوا قديما قد عدلوا عن ديانة نوح وموسى وعيسى عليهم السلام وعبدوا الملائكة، وحديثا قد يشمل هذا الصنف المرتدين من المسلمين سرا وعلانية، وقد ورد لفظ {الصَّابِئُونَ} مرفوعا على أنه مبتدأ خبره محذوف تقديره (والصابئون كذلك) للتنبيه إلى خطورة حالتهم ردة وشركا. أما الصنف الرابع وهم النصارى فقد سموا بذلك على الأرجح من نصرة الحواريين للمسيح عليه السلام في قوله تعالى: {قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} آل عمران 52.