هذه الأصناف كلها يبشرها الحق تعالى بسلامة المصير إن هم أدركوا رسالة الإسلام وآمنوا بها واستقاموا على أحكامها بقوله عز وجل:
{مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} أي كل من تاب من هذه الأصناف الأربعة توبة نصوحا، بأن اتبع ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فآمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا من عبادات مفروضة ومعاملات محمودة فلا خوف عليهم من عقاب على ما سبق من ذنوبهم ولا مؤاخذة عليهم فيما فرط من سيئاتهم، لأن الإيمان يجبّ ما قبله من كفر، لكنه الإيمان المقرون بالاستقامة على نهج الإسلام كما في قوله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا} هود 112، وقوله عز وجل: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} الأحقاف 13. والإيمان المقرون بالإصلاح والتقوى لقوله تعالى: {فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} الأنعام 48، وقوله عز وجل: {فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} الأعراف 35.
وبعد أن فتح الله تعالى باب التوبة والنجاة أمام هذه الأصناف الضالة كلها، عقب بما دأب عليه أكثرهم من إعراض، وضرب المثل بأشدهم عتوا واستخفافا بالحق من بني أسرائيل، وقد أقام عليهم الحجة ومهد لهم من سبل الإيمان ما لم يمهد لغيرهم فقال تعالى:
{لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} والميثاق هو ما أخذه الله تعالى عليهم من عهد على إخلاصِ التوحيد وعَمَلِ ما أمروا به والانتهاء عما نهوا عنه، وقد دأب الوحي الكريم على التذكير به وتأكيده والتحذير من نقضه في مواطن كثيرة من القرآن الكريم، لأنه الوثاق الدائم بين الله عز وجل وبين جميع الأنبياء والرسل، وبينه وبين جميع الأمم، منها قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ .. الآية} البقرة 83، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا} المائدة 12، وقوله عز وجل {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ} الرعد 19 - 20.