ثم ليسهل عليهم القيام بمقتضى هذا الميثاق والعمل به أرسل إليهم الرسل والأنبياء فقال عز وجل:
{وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا} ويعني لفظ الرسل في هذه الآية الكريمة من جاء إليهم بشرع وكتاب ومن جاء معزِّزا للشرع مبينا له، والرسل الذين أرسلوا إليهم قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم هم موسى وهارون ومن جاء بعدهما مثل يوشع وأشعيا وأرميا وداوود وسليمان وعيسى عليهم السلام.
وأما معاملتهم للرسل فقد أجملها الحق تعالى عقب ذلك بقاعدة كلية لسلوكهم فيها بقوله:
{كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ} بما يخالف أهواءهم وشهواتهم {فَرِيقًا كَذَّبُوا} جماعة من الرسل كذبوهم ورفضوا دعوتهم وكفروا برسالتهم {وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} وآخرين من الرسل قتلوهم مثل يحيى وزكرياء عليهما السلام، وآخرين منهم مثل عيسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم حاولوا قتلهم فلم يفلحوا. بل بلغ بهم والغرور والاعتزاز بالإثم أنهم أصبحوا يعتقدون أنْ لا ضير عليهم فيما يفعلون، وأن نبوة أسلافهم تدفع عنهم العقاب، وقالوا {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} المائدة 18، وقالوا: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} آل عمران 24، فأدى بهم التجبر الاغترار بما زُيِّن لهم من الدنيا إلى نسيان سنن الله تعالى في اختبار عباده وفتنتهم، مع ما يستتبعه ذلك من صمم عن سماع الحق وعمىً عن رؤيته، ولذلك عقب تعالى على حالهم هذا بقوله عز وجل:
{وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ} ظنوا ظنا أقرب إلى اليقين أنهم آمنون من عقوبة جرائمهم فلا تنالهم فتن بسببها، والفتنة في هذا السياق تعني الاختبار بالشدائد والمحن، فكان عاقبة هذا التقديرِ الفاسد منهم والجهلِ بسنن الله تعالى أن سقطوا في الفتنة {فَعَمُوا وَصَمُّوا} عموا عن رؤية الحق وصموا عن سماع ما أنزل إليهم، وعما يحدثهم به الرسل والأنبياء والناصحون من العلماء {ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} كما وقع إذ ذهب موسى عليه السلام لميقات ربه فعبدوا العجل وقال تعالى: وَإِذْ قَالَ